-
مذكّرات من السفر: صعودٌ بمُحاذاة جبال سنودونيا
في شمال غرب ويلز، ثمّة مُتنزّه جبليّ يُدعى <سنودونيا> – كلمة تعني باللغة الإنجليزية القديمة مُرتفعات الثلج- ويضمّ خمسة عشر جبلًا من جبال ويلز التي يفوق ارتفاعها ثلاثة آلاف قدم. كان المنظرُ أخّاذًا على مشارفِ فصل الربيع؛ قُبعاتٌ من الثلج ما زالت على قمم الجبال، والبركة الجليديّة رماديّةٌ بلون السماء الداكن. المُتنزّهون يتحرّكون في اتجاهين مُتعاكسين… Continue reading
-
على وشك الانقراض
المزاجُ إلهٌ كبير، ونحنُ عبيدٌ صغار نتخبّطُ في صباحه المُعكّر النهارُ ذرّاتُ غبار عالقة في المدى، وشمس باردة تخون الله كثيرًا، وتنسحب من مُضاجعتها للسماء أخيرًا يتقلّصُ الكلام، يتصالحُ مع عتمة الأفكار التي لا يقوى على مجاراتها. يتلمّسُ يد الصمت ويشدّ عليها كثيرًا يتحوّلَ الحائطُ المعاكسُ لباب الشرفة إلى سينما أضواء ليلية، يقطع امتدادها إبريز… Continue reading
-
فينومينولوجيا العزلة عند ريلكه
نشرتُ هذا المقال مُسبقًا على منصّة معنى فَتَنت العزلة الشّاعرَ النمساويّ راينر ماريا ريلكه (1875-1926)، منذ الطفولة، ظلّ يمشي في نورها الخافت إلى أن أرشدته إلى موضعٍ برزخيّ؛ يراقب العالم الخارجيّ منه بأدقّ التفاصيل دون أن يتخلّى عن عالمه الداخليّ، وأضاءت رؤيته الشِّعريّة إلى أن جعل منها سبيلًا يُفضي إلى الله؛ فيما كان العالم واقفًا… Continue reading
-
ترجمة قصة للكاتب الأميركي هوارد فيليبس لافكرفت: الدّخيل
في تلك الليلةنالت الويلاتُ من منام البارون؛ورأى كابوسًا طويلاتستحيل فيه ظلالُ المُقاتلينإلى سحرةٍودود كفنوشياطين جون كيتس- تعيسٌ مَن لا تجلبُ له ذكرياتُ الطفولة إلا الحزن والخوف. مُعذَّبٌ مَن لا يتذكّر إلا تلك الساعات التي قضاها وحيدًا في غُرفٍ رحيبة كئيبة، تكسوها ستائرُ غامقة، وتملأها رفوفٌ لانهائيّةٌ من الكتب العتيقة، أو لا يتذكّر إلا تلك الأوقاتِ… Continue reading
-
مُذكّرات من السفر: في متحف كافكا؛ السّخرية بكاءٌ صامت
عندما تعرّفتُ إلى صديقتي التشيكية، أخبرتني أنّ أهمّ ما يُميّز التشيكيين هو قدرتهم على السخرية اللاذعة من كل شيء وبطريقةٍ مُركّبة لا يفهمها الآخرون بسهولة. كلامها صحيح، لأنني لمسته من قراءة الأدب التشيكي. أمّا كافكا الذي يكتبُ بالألمانية فلم يكن بعيدًا عن تأثره بالثقافة التشيكية وإن كان على هامشها، ولطالما اعتقدتُ أنّه يكتبُ ساخرًا من… Continue reading
-
عن بساطة العبور إلى ضفّة أُخرى
تقول الكاتبة البرازيلية كلاريس ليسبكتور في رواية “ساعة النجمة”: لا أستطيع بلوغ البساطة إلا بجهدٍ هائل أحببتُ مدينة عمّان صغيرةً وبسيطة، لكنّها مذ عرفتها ما لبثت تلفظني من أحشائها، فما كان بيدي إلا أن أُكْرِهها حُبًا. كنتُ آتيها صباحًا عاملةً منهكةً وحزينة، وأغادرها مساءً روحًا عالقةً في ياسمينةٍ بلديّة مُتدليّة، أو جسدًا طريًا في عشبٍ… Continue reading
-
الموسيقا لغة من لا لغة له :<Tár>
قرأتُ عدّة مراجعات للفيلم بعد مشاهدته، وكل واحدة كانت تطرح أفكارًا جديدة، ممّا يدّل على أنّ الفيلم من براعة الإتقان والحبكة والإخراج على نحو يسمح بتعدّد تأويلاته. وحتى لا أكرّر ما سبق وقيل عن الفيلم، سأكتفي بتحليل بعض المشاهد، والإشارة إلى بعض التفاصيل التي لم تتطرّق لها المراجعات التي قرأتها، بحيث يُمكن أن تفتح قراءة… Continue reading
-
مُذكّرات من السفر: دعوة إلى صلاة صباحيّة؛ الروحانيّة وسِحر القطيع
في مهرجان فنّي للثقافة البديلة يُقام كلّ صيف حول الأراضي الشاسعة لكاثدرائيّة مهجورة في قرية بولندية صغيرة منسيّة، التقيت بمجموعة راكبي درّاجات نارية، بسُتراتهم الجلديّة المُطرّزة بشعار المجموعة، رؤوسهم الحليقة، وعضلاتهم المفتولة الموشومة. قَدِمَ أحد أعضاء المجموعة إلى باب خيمتي المجاورة لخيامِهم وسألني إن كنت أعرف ما هو اليوم، وأجبته بأنني لا أملك أي فكرة،… Continue reading
-
جاك دريدا والبحث عن المعنى: التأويل الأدبي بين التلقين والتأجيل
“إلى ناقد: لا تفسر كلامي بملعقة الشاي أو بفخاخ الطيور يحاصرني في المنام كلامي كلامي الذي لم أقله ويكتبني ثم يتركني باحثاً عن بقايا منامي…” -محمود درويش نَشرتُ هذا المقال مُسبقًا على منصّة معنى ﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أنّ اﻟﻤﺪارس اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ اﻟﺘﻘﻠﯿﺪﯾﺔ ﻛﺎﻟﺘﺸﻜﯿﻠﯿﺔ واﻟﺒﻨﯿﻮﯾﺔ ﻗﺪ ﺣﺎﻓﻈﺖ ﻋﻠﻰ أدﺑﯿﺔ اﻟﻨﺺ، وﺟﻌﻠﺖ ﻟﻠﻨﻘﺪ اﻷدﺑﻲ ﻗﻮاﻋﺪ وﻣﻌﺎﯾﯿﺮ ﻣﺤﺪودة ﺑﻠﻐﺔ… Continue reading
-
خارج السرب: الفردانية والمثلية والسلطة على الحياة
<<… ولكن ما جدوى الكلام إذا لم يكن هناك من يصغي؟ فقدت مكاني في عيون الناس. والذي كشفت سرّي؛ من أجله رماني وسمّاني عرّة، فماذا بقي أمامي؟ هي خطوة محتومة، وعليّ أن أخطوها، ما أغرب هذه الدنيا…، إنْ كتمتَ وأخفيتَ، عشتَ وتكرّمتَ، وإن صدقتَ وكشفتَ نبذوك وأخرجوك منهم…>>.– سعد الله ونّوس، طقوس الإشارات والتحوّلات لا… Continue reading
-
فنّانة الجسد للكاتب الأميركي دون ديللو: وحشيّة الزمن وموت الهُويّة
لورين هارتكي فنّانة جسد استعراضيّة، مُتزوّجة من راي روبلز مُخرج سينمائي يُفجّر رأسه وينتحر في الصفحات الأولى من الرواية، لكنّ الحبكة لا تكمن في هذا الحدث البائس، وإنّما بالزمن المُتقطّع المكثّف والباقي عندما تعود زوجته لورين إلى البيت الفارغ، لتكتشف أنّ رجلًا مضطربًا نفسيًا يختبىء في عُليّة البيت، لا يستطيع الكلام، لكنّه يُكرّر مُحادثات راي… Continue reading
-
المنطقة المحظورة للكاتبة الأميركية ماري بوردن: الانطباعيّة أسلوبًا لكتابة الحرب
“هل أضافت الطبيعة شيئًا إلى ما طوّره الإنسان؟ هل أكملت ما بدأه؟ لقد كانت كذلك شاهدةً على معاناته ولؤمه وعذابه بكلّ خضوع وإذعان”. — من رواية إلى الفنار، فيرجينيا وولف لطالما كانت الطبيعة شاهدة صامتةً على الحرب، والجانب المظلم الذي يعكس سيطرة الإنسان ونزعته التخريبية. ولعلّ عجز الطبيعة في أن تفصح عن ذاتها يشابه قصور… Continue reading
-
ترجمة قصّة قصيرة للكاتبة الأميركية ماري بوردن: الكتيبة
لا أثر للرعب على الأرض ولا في السماء. كان عالم الصيف عميقًا ورحيبًا وجميلًا. ثمة سحب بيضاء مرتفعة تتحرك ببطء في حركة ظاهرية باتجاه بلجيكا، تعبر زرقة السماء اللامتناهية كأنها قلاع ضبابية ساحرة، تطفو ببطء باتّجاه ما يُسمّى “بالأرض السائبة”، وتمتدّ ظلالها مثل الرايات فوق المروج الخضراء وحقول الذرة الصفراء. عبرت الجو طائرة في زيارتها… Continue reading
-
مُذكّرات من السفر: النسويّة البيضاء الحاضِنة؛ الحِجاب سُلطةً
في إحدى محاضرات برنامج الماجستير في بريطانيا، وخلال مناقشتنا للرواية المصوّرة <<Persepolis >> سألت الأستاذة إذا ما كنّا نعتقد أنّ الحجاب في الرواية يؤدي وظيفة القناع ؟ فالشخصية الرئيسة ترتديه في إيران، وتخلعه عندما تغادر للدراسة في جامعة فيينا. ولا داعي لأن أقول حينها لماذا صوّبت نظرتها نحوي- أنا الطالبة “الشرق أوسطية” الوحيدة التي تجلس بين… Continue reading
-
مُذكّرات من السفر: غُرباء في تركيّا؛ عن الدونيّة الحضاريّة ووهم التحضّر
غريب ١ في مدينة <اسكيشهير> التركية المعروفة بأنّها مدينة الطلاب، دخلتُ أحد المقاهي الحديثة، وسرعان ما أخذت أبحث عن مقبس كهرباء لشحن هاتفي. سألت النادل الشاب إذا ما كان يتكلّم الإنجليزيّة، قبل أن أُباغته بالكلام بالإنجليزيّة مُباشرةً، دون مُراعاةٍ أو احترامٍ للثقافة المحليّة. أجابني الشاب بإنجليزيّة رنّانة Of course I speak English, just like you… Continue reading
-
وَجْهان
.يُرمِّمُ الجمالُ الداخليّ نفسه ببطءٍ، يتجلّى بصبرٍ، ثمّ يسْطَعُ فجأةً بذكاء شمس .يتجعّدُ الجمالُ الخارجيُّ، ينطَعِجُ بتسارعٍ نحو الداخل، بدَفْقةٍ من غباء :وَجهان .أحدهما للشكّ، والآخرُ لضآلة الحقيقة Continue reading
-
حِرباء
يُتمتِمُ العبد الدرويشُ في أذن محظيّته العَبدة، يُغريها بأن يدّعي معرفة شيء يتسامى في جوفه عن حُريّة القلب. يُعوِّلُ على شامةٍ صغيرةٍ على صدره، ويَعِدُ بها جُرمًا صغيرًا ينطوي فيه العالمُ الأكبر. تعطِسُ السماءُ في أنفهِ، يتجلّطُ الدمُ في رأسهِ، تندثرُ الشامةُ في قذارة التراب وتهيمُ المرأةُ على قلبها المملوك حُرّةً، لا تُتقِنُ إلا التلوَّن… Continue reading
-
“أَردتُ أن أعرف”
أردتُ أن أعرفَلم يُسمح لي إلا بالسؤالأردتُ أن أَنْعُمَ بالنّورلم يُسمح لي إلا بالاحتراقأردتُ اللّامُسمّىلم يُسمح لي إلا بالحياة شَكوتُشَكوتُلم يُدرِك مَعنايَ أحد Continue reading
-
“البوم في داخلي”
أُخبّىءُ عينيَّ في يديَّ عيناه الحمراوتان في الظلامعدوّتان على الجبهةِ الأخرىمنقارهُ الأصفر يُهذّبُ أصابعي بنعومةٍيُسراه تدحَجُ عيني اليُمنى بقوةٍ بقدرة وتنحرفُ يُمناهُ لاصطيادِ الفئران البعيدة لا شيءَ وراء عينيه لا شيءإلا مخلوقات الغابة فراشةُ عثٍّ عابرةنَمرٌ يُلوّحُ بذيلهحوتٌ يكشفُ عن أسنانه البيضاءجنينقنفذُ بحرٍ يحاكي نجمةً أو حشرةً عديدةَ الأرجل الغيومُ تُعتّمُ وجهَ الغابةالطحالبُ تصطفُّ بانتظامٍقنابلَ… Continue reading
-
“تعويذةٌ للانتفاضة”
:قلتُ أحبّكَوأريدُ لهذه الإبادةِ أن تنتهي:قلتُأحبّكوأريدُ أفعالًا وردودَ أفعالٍ حقيقية:قلتُ أحبّكَأما آن للموسيقا أن تنبعثَ من النوافذ؟:قلتُأحبّكَ ولا أحتملُ أن يعطَشَ أو يبردَ أحد:قلتُأحبّكَوأشتهي أن أستنشقَ رائحة العدالة قبل أن أموت :قلتُأحبّكوأريدُ أن تختفي كلُّ الحدود لا أريدُ للأشجار أن تموتلا أريدُ لضوءِ الصُّبحِ أن يُصادَرلا أريدُ للبشر أن ينحنوا خاضعين أريدكَوأريدُ قُبلةً منكَ لتلامسَ… Continue reading
