خارج السرب:  الفردانية والمثلية والسلطة على الحياة



<<… ولكن ما جدوى الكلام إذا لم يكن هناك من يصغي؟ فقدت مكاني في عيون الناس. والذي كشفت سرّي؛ من أجله رماني وسمّاني عرّة، فماذا بقي أمامي؟ هي خطوة محتومة، وعليّ أن أخطوها، ما أغرب هذه الدنيا…، إنْ كتمتَ وأخفيتَ، عشتَ وتكرّمتَ، وإن صدقتَ وكشفتَ نبذوك وأخرجوك منهم…>>.– سعد الله ونّوس، طقوس الإشارات والتحوّلات


لا مهرب من السرب. فعندما تُعطى الأولوية للجماعة وتُقدّم مصلحتها على مصلحة الفرد، تعتبر كل محاولات الخروج عن الجماعة عصيانًا عقابه النبذ والسخط من المجتمع  أحيانًا، والمحاسبة القانونية من الدولة في الأحيان التي تخرج فيها الأمور إلى الحيّز العام. وفي حين أن  مذهب الفردانية في المجتمعات الغربية لا يسلم من الهشاشة والافتقار إلى الركائز الاجتماعية خاصة على مستوى العائلة، إلا أن هذا الانفكاك المعتاد عن الجماعة والخروج المشهود عن النمط السائد يمهّدان الطريق نحو وجود أنماط أخرى من الحياة، خاصة على صعيد الحالات الاجتماعية.  إذ خلافًا للزواج الغيري، هناك الزواج المثلي و كذلك حياة العزوبية الطوعية وغيرها. ولا يعني أن أنماطًا كهذه تلاقي قبولًا اجتماعيًا كاملًا في الغرب وأنها في مأمن من الرهاب والتنمّر، ولكن في رأيي أن سببًا من أسباب قوننتها وانتشارها واستمرارها  هو استنادها على مذهبي الفردانية والحرية الشخصية كشرعية أساسية.

من هنا، اقترنت المساعي العربية لتأطير النماذج الفردانية و الحركات المثلية بالامبريالية الرأسمالية في الغرب، كما انتقدها جوزيف مسعد، في كتابه <<اشتهاء العرب>> عام 2007 على أنها محاولة لعولمة الهوية، وقد اعتبر خطابها تبشيريًا بما أطلق عليه <الأممية المثلية>. يعتقد مسعد  أن محاولات تحويل “الممارسات والشهوات الجنسية” إلى هويّات شخصية في المجتمع العربي يسبب إشكالًا نظرًا لأن هدف الأممية المثلية هو << إلغاء الحيّز الخاص بإعلان جميع الشهوات والممارسات الجنسية على الملأ>>، إذ يرى مسعد من خلال قراءته لمسرحية سعد الله ونّوس <<طقوس الإشارات والتحولات>> عام 1994 أن <<إصرار أولئك الذين يعتمدون الهوية الجنسية الغربية على إزالة الفاصل ما بين الخاص والعام باعتباره طريقًا للتحرر، وإصرارهم على أن التحرر الحقيقي… لن يتم إلا عبر كشف هؤلاء عن أنفسهم أمام الدولة والسلطة الدينية …هو ما عجل من الحملة التي لم تستهدفهم فحسب وإنما استهدفت أولئك الذين كانوا حتى وقت قريب متروكين لحالهم من قبل الدولة والسلطات الاجتماعية ولا يعانون إلا من بعض أشكال العار الاجتماعي>>. وعليه، يعتقد مسعد أن تطبيق خطاب التحرر والحرية الجنسية هو الذي جعل حياة هؤلاء أسوأ مما كانت عليه في الخفاء، وبناء على ذلك فهو يرى في مسرحية ونّوس <تحذيرًا> من فشل المشروع الفرداني الليبرالي المتحرر وعجزه عن تحقيق أهدافه المنشودة.

ورغم أن كلام مسعد يبدو منطقيًا في تركيزه على ذلك الخطاب الإمبريالي الذي يسعى إلى تضليل هذه الشخصيات ودفعها إلى <فضح> هوياتها طمعًا في التحرر والحصول على الهوية، إلا أن العار الاجتماعي لا ينفصل عن القمع السياسي، و كثيرًا ما يجبر الضغط الاجتماعي هؤلاء إلى الخروج من الحيّز الخاص وفضحهم للمستور الذي ينغّص عملية استمرارهم أو يودي بحياتهم. أعتقد أن محاولة الانتقال بتلك الممارسات الشخصية إلى نطاق السياسة وإزالة الفاصل بين الحيز الخاص والعام تمثّلان ردة فعل طبيعية على تدخُّل المجتمع بشكل دائم  في الحيز الخاص واستباحته لتلك الممارسات الجنسية والحميمية في الأساس. إذ إن المجتمعات التي لا تولي أهمية لحرية الأفراد ولا لأنماط الحياة المغايرة تخرق الحيّز الخاص بلا احترام بغرض الهجوم الدفاعي عن العادات والتقاليد السائدة. ولأن مصلحة الجماعة غالبة والحياء العام غالب، فلن تتدخّل الدولة لإيقاف هذا الاختراق والخدش الشخصي  للحريات تحت أي مسمى. أما السعي للبقاء في الخفاء خوفًا من عقاب السلطة ومن العار الاجتماعي فهو أحد أهم أسباب الفصام الحاصل في الهوية الجنسانية باعتقادي.
 

ترتكز عملية تأطير العلاقات الإنسانية و الجنسانية ضمن نظام الخطاب ومحاولات السلطة  لعقلنتها ودراستها والسيطرة عليها تبعًا للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو على  تاريخ طويل يرجع إلى عصر التنوير، وقد ناقشه في سلسلته الضخمة <<تاريخ الجنسانية>> عام 1976.  يعمد فوكو إلى فك تحليل الخطابات المعرفية ويرى إن << إنتاج الخطاب في كل مجتمع هو إنتاج مُراقَب، ومُنتقى، ومُنظَّم، ومعاد توزيعه من خلال عدد من الإجراءات التي يكون دورها  الحد من سلطاته ومخاطره، والتحكّم في حدوثه المحتمل>>.  وعليه، فإن مساعي السيطرة على الجنسانية وما يتخللها من تأطير وعنونة وتصنيف ومنع أو تشريع  تعتبر جزءًا من منظومة سلطوية أكبر، تتلخص في المصطلح الذي أطلقه فوكو وهو <السلطة على الحياة/ Biopower>.

تلخص عملية السلطة على الحياة إعادة توجيه الفكر والرغبة الجنسية من خلال الأفكار والمؤسسات القائمة على المعيارية السائدة، كمؤسسة الزواج مثلًا وما تنبني عليه من الارتكاز على الخطاب القانوني أو حتى الديني لتأطير العلاقة الإنسانية وإكسابها الشرعية. إلا أن الخلل في هذه العملية يظهر عند الأفراد الخارجين على النمط السائد (مثل الكويريين) مما يعيد مساءلة فعالية هذا الخطاب أساسًا. من هنا، يرى فوكو أنه  لا وجود لمعيارية تفرّق بين السلطة المقبولة وغير المقبولة على الحياة وما يصلح لمجموعة معينة لا يصلح بالضرورة لمجموعة أخرى، وما هو شامل لمصلحة الجماعة لا يصلح بالضرورة لمصلحة الفرد، لأن توظيف السلطة الاجتماعي والسياسي هو إنتاج للرغبات الإنسانية المتغيرة باستمرار، ولذلك لا وجود  لقاعدة تنبني عليها المعيارية عالميًا.  

إن ترسيخ هذه المعيارية في أنماط الحياة والعلاقات الإنسانية أيضًا يعود إلى الخطاب المؤسساتي المدرسي في كل مجتمع، والذي يخلق عند الفرد مفاهيم معيارية منذ الصغر، في حين أن الرغبة في كل أنماط الحياة المغايرة كالفردانية والمثلية تثير الرعب والخوف في النفس وترتبط ممارستها بالسخط والعار الاجتماعي وانعدم السعادة. تصف لورين بيرلنت في كتابها <<الرغبة/الحب>> عام 2012 هذا الخطاب المعياري قائلة: << إن الناس مُدرّبون ليصبّوا جل اهتمامهم على تلك الرغبات المؤطّرة في نطاق المؤسسات التي تدعم التقاليد وتدعو إلى الانضباط، ويتعلمون كذلك أن يخافوا من رغباتهم المتعلقة بكثير من الأشياء أو الأشياء التي يعتبرها الآخرون <سيئة>: أي أن يجدوا أنفسهم منجذبين لأشخاص لا يحملون هوية شرعية أو خارج النمط السائد للجنسانية أو العرق أو الطبقة الاجتماعية أو الطائفة أو الديانة أو الحالة الاجتماعية>>.

ولذلك فإن كل محاولات الخروج عن نمط الحياة السائد في المجتمعات العربية ينبغي أن تستند على مرجعية معيارية حتى تلاقي قبولًا مجتمعيًا أو عذرًا على الأقل. فمثلًا، لن تُفهم رغبة الرجل في اختيار حياة العزوبية اختيارًا نهائيًا إلا إذا كانت مؤطرة تحت معيارية دينية كالزهد على سبيل المثال، كما لن يتوقف  المجتمع عن الحكم على المرأة لعدم التحاقها بمؤسسة الزواج ووصمها بالعانس، إلا استنادًا على بعض المؤسسات الدينية التي وجدت مرجعية معيارية دينية، مثل رغبة التّبتل (كالراهبات مثلًا). أما فيما يتعلق بالمثلية فهي انحراف عن التيار السائد، ولذلك فهي كما اعتبرها فوكو تمردًا ومقاومة للسلطة. 

أعتقد أن معظم المحاولات الغربية لإعادة دمج مجتمع الكويريين والمثليين هي فيما يخدم مصلحتها وبدافع خطاب “التحرر والليبرالية”، فيما ننسى أن الرفض والنبذ الذي يحدث لهم من التيار اليميني وحتى من المجتمع ما زال قائمًا. أما على صعيد السلطات العربية، فإن الرفض امتداد لسلطات القمع والديكتاتورية السائدة في هذه الدول.  وعليه، في الوقت الذي تحاول فيه السلطات  أن تتعامل مع هذه الفئات فيما يناسب مصلحة السلطة، وجب الحديث عن الحرية الفردية بعيدًا عن أهوائها. 

وبصرف النظر عن أن الفردانية والمثلية قائمتان على مذهب رأسمالي غربي بالنسبة للبعض، فإنهما  كبقية المفاهيم التي لم تسلم يومًا من خطاب النظام وتوظيفه كأداة للوصول  إلى السلطة والمحافظة عليها. إذ إن إعادة دمج العلاقات الكويرية وتقبلها في المجتمعات الغربية ومساعي عولمتها لا تنفصل عن خطاب <الأممية المثلية> كما يرى جوزيف مسعد، أما عملية محاربتها ومنعها في المجتمعات الغربية في الماضي ثم في المجتمعات الأخرى كالمجتمعات العربية حاليًا، فلا تنفصل عن خطاب الديكتاتورية والقمعية و محاولات تأطير العلاقات الإنسانية تبعًا للعادات والتقاليد وكل المفاهيم المعيارية الأخرى كما يرى فوكو.

لذلك، أعتقد أن ما يجب أن نسعى لتحقيقه هو الإيمان بحرية الاختيار الفردي الواعي، بعيدًا عن سطوة الجماعة وسلطة الخطاب؛ فالحرية الفردية الواعية باختيارها، لا تلك المُضلَّلة في سعيها وراء الانضمام “الحرّ” إلى سرب سلطوي جديد، هي التي ستشكّل فرقًا في المجتمعات في النهاية