رحلة داخليّة في فضاء ٣١٧: غرفة صغيرة واحدة في كلّ مكان



جبل عمّان، صيف ٢٠٢٦




And now good-morrow to our waking souls

Which watch not one another out of fear

For love, all love of other sights controls

And makes one little room an everywhere

Let sea-discoverers to new worlds have gone

Let maps to other, worlds on worlds have shown

Let us possess one world, each hath one, and is one.

The Good-Morrow, by John Donne





مطلع آب، مساءٌ صيفيّ حار. هواءُ عمّان يلاعِبُ شعري وأطراف الأشجار على حدّ سواء. أقف على عتبات أدراج “فضاء ٣١٧” وأسمعُ أذان المغرب، فيما تلوح بيوتُ عمّان كمكعّبات الليغو بألوان باستيليّة عند الغروب. تبعثُ ألفةُ المشهد سكينةً في روحي. أمّا مرأى الروبوت (الرجل الحديديّ) الذي يعلو جدران الفضاء، وجدران شوارع أخرى في جبل عمّان،  يُطمئنني أنّ هذه المدينة التي لا تلوّنها إلا سيّاراتها مازالت تُفسِحُ خيالًا للحلم، وأنّ للطفولةِ جدرانًا رحبةً للخربشة و “البخّ” بالألوان، مهما أمعن “الكِبار” في تخريب بنيانها

أهبطُ الدرجات، تُسلّمُ عليّ شجرةٌ فوق باب أسود، أردّ السلام بصمتٍ وابتسامةٍ وأتابعُ الهبوط
ثمّ أتأهّبُ لمصافحة الجدران المزهوّة بالمزيد من رسومات الغرافيتي








وسرعان ما تستقبلني مرجان (ماريان) من رواية بيرسوبوليس لرسّامة الكومكس الإيرانية مرجان ساترابي، فأبتسم ابتسامةً عرض الجدران





أرنّ الجرس، يفتح مايك (سردين) شباكًا ذا قضبان حديديّة ويطلّ برأسه: أسلّم عليه وأذكّره بموعدنا الذي نسيه على ما يبدو. يعبرُ فوق رأسي سربٌ ساحرٌ من غربان الزرع الأوراسيّة، يعلو نعيقها على أصوات قفل الباب الحديديّ عند فتحه، أتذكّر إدغار آلن بو، فأبتسم وأستبشرُ بالدخول: نعم، الغربان -خلافًا للسائد- تُسلّيني وتُمتّعني بسوادها الجماليّ الطاغي على  كلّ خرافات شؤمها.


أدخل، وأنا أقول لمايك: -هذه ماريان بيرسوبوليس
-مرجان، نعم.

يعلو في رأسي صوت أستاذة الأدب الإنجليزي من برنامج الماجستير في بريطانيا، تنطق اسم “ماريان” في سيمنار الرواية المصوّرة. أمتعضُ قليلًا: كيف لم أقل لها حينها: أوف يا! تُنطَق مرجان بالفارسي! صحيح أنّ النسخة التي درسناها هي النسخة المترجمة إلى الإنجليزية من الفرنسيّة، لكنّني على ما يبدو خضعتُ لنطقها للاسم، كما خضعتُ لأشياء أخرى أثناء دراستي في الخارج، أشياء مروّعة لا أرغب في تذكّرها الآن!

يُخبرني مايك أنّ الرسّامة الإيرانية مرجان توفّيت قبل وقت قصير: “شريكها / حبيبها / بوي فريندها توفّى قبل عام، فقرّرت اللحاق به”. أتعجّب، أتذكّر ذلك الجزء من روايتها المصوّرة في غرفة الأشعة، تقول شيئًا فاجعًا وهي محطّ تمحيص الأطبّاء، أنّ جسدها الذي نجا من صدمات الحروب في إيران، وقسوة الغربة في النمسا، لم ينجُ من قصّة حبّ عاديّة. أتذكّر كلّ ذلك وأنا أعبر بهو الفضاء إلى عالم من الألوان المعلّقة

أستعيد في رأسي جزءًا من عنوان المقال الذي كتبته في نهاية سيمنار الرواية المصوّرة عام ٢٠١٨
One Little Room is an Everywhere

يسألني مايك عن آخر مرةٍ جئت بها إلى هنا


٢٠١٩، في جولةٍ مع طُلّابي الأميركيين عندما كنت أدرّسهم العربية. حينها شهدتُ كيف عادوا أطفالًا يتجوّلون في غرفة صغيرة مكدّسة بالبوسترات والكومكس والأنيمي ومجسّدات صغيرة من هذه العوالم جميعها



يصحبني مايك في جولة سريعة في أنحاء الفضاء، أسأله عن شخصيّته الكومكسية الأقرب إلى قلبي، تتبّعتها على الجدران وفي الكومكس أون لاين، وما زلت لا أعرف كيف أنطِق اسمها: “آنا كوزمونوتا”. يُخرج مجسّمًا لها، يُجلسها على الكرسيّ أمامي: يبتهجُ قلبي لمرآها. هذه امرأة فضاء نصفُ روسيّة، نصفُ يابانيّة، لكنّني أراها امرأة فضائيّة لا شرقيّة ولا غربيّة

 في رأسي الآن، تصحبني كوزمونوتا من يدي وتعلّمني الفضائيّة النسائيّة على أصولها: من يدري، لربّما كان الفضاء قُطنًا ورديًّا أبديًا، أو محض غرفةٍ صغيرةٍ بحجم علبة آيس كريم شهيّة كالتي استخدمها مايك لصنع قلنسوتها الفضائيّة؟


أُخبر مايك أنني بدأت العام الماضي قراءة المانجا بدلًا من الاكتفاء بمشاهدة الأنيمي. يسألني من أقرأ الآن
أخرِجُ كتابًا بدأت قراءته قبل أيام
The Call of Cthulhu by H.P. Lovecraft


يُبدي مايك حماسةً غير مسبوقة لمرأى كوثولو. وعلى شاشة الكومبيوتر الآن يُريني: امرأة مرسومةً على هيئة الممثّلة المصريّة هند رستم، تُزغرد: كوثولولولولويش.

مايك يعتذر على “غباء” الرسم الكاريكاتوريّ.

لا أراه غبيًّا. أقول

يا إلهي! في رأسي أتابع: هذا رجلٌ يحوّل رعب كوثولو إلى زغرودة فرح. ليس أمامي الآن سوى تغيير مسار الرعب المفاجىء إلى فرح مباغِت. أو لربّما لا داعي لهذا الفصل الاعتباطيّ من الأساس. لافكرافت يعرف جيّدًا أنّ الرعبّ الحقيقيّ هو الرعب العاديّ الكامن في اللحظات اليوميّة العابرة



When […] the ugly trifles of existence began to drive me to madness like the small drops of water that torturers let fall ceaselessly upon one spot of their victim’s body, I loved the irradiate refuge of sleep […] to cross forever into the unknown land; for doubt and secrecy are the lure of lures, and no new horror can be more terrible than the daily torture of the commonplace.

Ex Oblivione, by Lovecraft


في المطبخ، يُعدّ مايك القهوة سريعة التحضير، ويُغطّس لي في ماءٍ مغليّ حقيبة شاي صغيرة في كأس ورقيّ. أرفع رأسي وأتفرّج في هذه الأثناء على نحت مُرعِب قادم من عوالم لافكرافت: جثّة رجلٌ ممدّدة فوق إطار الباب.

يا للبهجة!

نتحدّث عن حركة ترجمة الروايات المصوّرة التي تجتاح دور النشر المصريّة الآن: دار عصير الكتب ودار المحروسة تترجمان كلاسكيّات الكومكس إلى العربية، لا تعجبني جودة الترجمة، ولكنّ فعل الإقبال على الترجمة بحدّ ذاته مبشّر. وفي شيءٍ من الغبطة لعالم الكومكس المصريّ، نتذمّر من غياب الدعم لمشهد الكومكس في عمّان، رغم الإبداعات والمواهب البهيّة.

كان مايك قد أطلق مجلّة كومكس في عمّان تُدعى “فنزين”. يُخبرني عن حماسه للعدد الخامس: مستوحى من دون كيخوته. قال إنّهم يحاربون طواحين الهواء، في مدينةٍ تقبض على أنفاس رسّاميها. 

لكنّ هذه المدينة لا تعترف حتى بأنفاسها. أقول في رأسي. أتذكّر شخصيّة جمعة القفّاري لمؤنس الرزّاز: ألم يُلقّبه ساخرًا “عون الكياشطة” تيمّنًا بدون كيخوته؟ ألم تتفلّت شوارع عمّان من قبضته في محاولة لتملّكها دون طائل؟

في الحديقة الخلفيّة للفضاء، حيث تحوّطها الأشجار الساحرة، وتكاد تمتد لتُغطّي بأوراقها مشهد أبراج عمّان المُصطنع من البعيد، جلسنا.

يُخبرني مايك عن جو ساكو عندما كان هنا في عمّان قبل أعوام، ويأتي على ذكر آرت شبيغل مان، وكومكس ماوس مان. ثم يأخذنا الحديث إلى رواية بول أوستر مدينة الزجاج التي تحوّلت إلى رواية مصوّرة  

في ذاكرتي الآن تكتمل عناصر المقال الذي كتبته لسيمنار الرواية المصوّرة قبل ما يقارب عشرة أعوام: الغرفة في الكومكس كمختبر للعالم. غرفة ماوس مان الذي يسخر من ابنه عندما يتحدّث عن الصداقة، فيدعوه ليُحشّر مع أصدقائه في غرفةٍ واحدة ليختبر كم ستدوم الصداقة فعلًا. غرفة مرجان التي أصبحت صغيرة جدًا عليها بعد أن عادت إلى إيران من النمسا ودخلت في صدمة ثقافيّة عكسيّة. غرفة دانيال كوين التي يُحتجز بها طويلًا فتتحوّل إلى قفص يحتجز الكلام في جوفه.

الجسد كغرفة تسافر في فضاء لانهائي.

كنتُ أخبر مايك عن مشروع الكتاب الذي أعمل على ترجمته، قبل أن ينجرف بنا المسار إلى الأدب والشعر. يحدّثني مايك عن حبّه لهيمنغواي. أتحمّس وأنا أتحدّث عن مذكّراته: وليمة متنقّلة. الاسم بحدّ ذاته باعث للفرح المُرعب.

يعدّد مايك قصائده المفضّلة لكوليردج وبلايك. يبتهج قلبي للشعر. الشعر كغرفة معلّقة بين جنة الكلمات وجحيمها.
أتذكّر قصيدة ويليام بلايك: الوردة المريضة.


O Rose thou art sick 

The invisible worm 

That flies in the night 

In the howling storm 

Has found out thy bed

Of crimson joy

And his dark secret love

Does thy life destroy.




ثمّ يخبرني مايك عن تي إس إليوت وقصيدة الأرض الخراب.
أتذكّر قصيدة أغنية حب لجي ألفريد بروفرك: هناك غرفة في القصيدة أيضًا. غرفة اختبار للشخص وخرابه تحت سطوة الزمن.


“In the room the women come and go

Talking of Michelangelo”

ننهي الحديث بقراءتي لهذا المقطع من قصيدة إليوت:

Do I dare

Disturb the universe
In a minute there is time

For decisions and revisions which a minute will reverse

For I have known them all already, known them all

Have known the evenings, mornings, afternoons

I have measured out my life with coffee spoons.


أغادر وأنا أشعر بامتننان، لقد نال الشعر آخرَ غرفةٍ في حديثنا، فكلمة
room في الإيطاليّة تعني Stanza
أي مقطع شعريّ. وهذا ما رمى إليه الشاعر جون دون عندما قال في إحدى قصائده:
 one little room an everywhere

نعم، كنت قد استوحيتُ عنوان مقالتي لسيمنار الرواية المصوّرة من قصيدته. لا لأنّني أحب إقحام الشعر في كلّ شيء فحسب، بل لأنّني أرى كل مربّع/ <بانيل> من مربّعات الكومكس غرفةَ مختبر للعالم، ومقطعًا فنّيًّا من قصيدةٍ مرسومةٍ بلا كلمات




أهداني مايك الرائع صحنًا فضائيًا أزرق تُطلّ عليّ من نافذته: آنا كوزمونوتا



وهذه البطاقات البحريّة الأخّاذة لحوريّة بحر وغيشا في الوقت ذاته، تحلمُ بزوارق الطفولة

الورقيّة





ولا تنفكّ عن السؤال في مدينة خانقة: وين البحر
وين البحر يا عمّان؟