
أفضّلُ رطانةَ الرأسماليين
على فصاحةِ الشعراء
أعشقُ كلمة سيولة
أعشقُ كلمة مُدّخرات
دانيال بورزوتسكي
كجزء من معرض “في الساعة نفسها” المُقام حاليًا في دارة الفنون في عمّان، كان مشروع ناتالي فرانكاوسكي وكروز غارسيّا الفنّي أكثر ما جعلني أدور حول نفسي، أذرع غرفة العرض طولًا وعرضًا بلا طائل، كأنّ الأمر أشبه برؤية رأسي مُفرّغةً على الحائط أمامي.
في كتابه <الواقعيّة الرأسماليّة> يستحضر مارك فيشر أطروحة نهاية العالم لا بأوصاف ماركسيّة، بل أقرب إلى تعبير نيتشه عن “عصر مُشبع بالتاريخ” حدّ الغرق في السخرية من ذاته، مَن يصل فيه إلى آخر مراحل وعيه بذاته فعليه أن يكتفي بالفرجة وإثارة السخرية عوضًا عن الاشتباك والمشاركة، ناهيك عن التفكير بالتغيير! وعوضًا عن مصطلح “ما بعد الحداثة” الذي أطلقه فريدريك جيمسون في ثمانينات القرن الماضي حين ما زالت الاشتراكيّة تلوح بديلًا مناوئًا، يرى فيشر أنّ الواقعيّة الرأسماليّة هي المصطلح الذي حقّق ذاته في غياب واقع بديل بعد ذلك، حيث لم تعد الرأسمالية في “مواجهةٍ مع الحداثة، بل تأخذها على المضمون كفترة تاريخيّة توقّفت في الزمن، لا تعدو محض “أسلوب جماليّ” بائد يُمكن استعادته كنمط بديل للعيش الجمالي ليس إلا
من هنا، يحتّم فيشر أنّ الرأسمالية استولت على اللاوعي تمامًا واستعمرت أرض الحلم كليًّا، فكلّ ما نراه الآن من محاولات تمرّدية تخريبية يلوك ويسترجع أنماطًا ثوريّة بائدة، ومؤسسات مستقلةٍ لم تعد خارجةً عن الرأي العام، بل صارت أسلوبًا تسويقيًا رائجًا بحدّ ذاته، بعد أن استولت الرأسماليّة على لحمها الطريّ وفرمته بآلاتٍ لا ترحم: ” في عالم لم يعد فيه الابتكار الأسلوبيّ ممكنًا، لم يبقَ سوى تقليد الأساليب البائدة، الكلام بأصوات أساليب المتاحف المُتخيّّلة ومن وراء أقنعتها: فهنا حتى النجاح يُعدّ نفسه مسبقًا للفشل، بما أنّ النجاح يعني فقط أنّك اللحم الطازج الذي سيتغذّى عليه النظام”. هذه الواقعيّة الرأسماليّة التي يراها فيشر أشبه بكومكس العصور المظلمة لفرانك ميلر مُسطّحة الأبعاد ومملّة بعوالمها الفاسدة والعنيفة والشريرة، بأسلوب يُنمّط ويُخدّر ويُهدّىء، فلا يعود في الشرّ ما يرعب أو حتى يُثير الغضب.
في محاولةٍ لمشاكسة هذه الواقعية الرأسماليّة، يُشيّد الزوجان فرانكاوسكي وغارسيّا في مشروعهما الفنّي أضرحةً لضحايا الرأسماليّة ضمن مشروع نقديّ يوظّفان من خلاله منهجيّة” المعماريّة السرديّة”، بحيث يخلقان نماذج لمعمار “لا يريد أن يُعمَّر”، معمارٌ يظلّ على الورق، في نطاق نظريّ يتوخّى الحذر في الممارسة، يعتمد على النصوص السرديّة والشعريّة، ويمزج العناصر البصرية، لا لهدف سوى “استخدام الأدوات الأيديولوجية ضدّ نفسها”. في هذا المشروع الذي يعرف أنّه لن ينتصر، ويعرّف نفسه “كنتاج للنضالات الفاشلة والحروب
الخاسرة”، لا يطمح أن يصل إلى أبعد من تعرية الخراب أمام نفسه

يُحاول المشروع أن يتغدّى بالنظام الرأسمالي قبل أن يتعشّى به. فشلٌ يُعدّ نفسه للفشل المسبق، ولا يطمح لبناء أي شيء “واقعي” على الأرض، يتّكىء على بناء شعريّ رثّ وعلى قصائد متداعية لبناء أضرحة افتراضيّة لضحايا العالم: ميراثهم الوهميّ الوحيد. وحيث لا يعود تحقيق العدالة الشعريّة بطولةً، يصير تصوير اللاعدالة والتغنّي بشعريّتها مادة جماليّة زخمة لغايات التقويض والتخريب والتسلية ليس إلا
هذا المشروع لا يريد أن يحفر في وسائط الحداثة المسترجعة لإعادة إنتاج الجماليّات، بل لإعادة مساءلة اكتساح الأيديولوجيّات المُسلّم بها، وأدوات الرأسماليّة البدائيّة: الآلة والصناعة والنفط وخطط الإنتاج وأساليب العمارة وتكرار النظام إلى أن يصير النظام الأوحد، بل: النظام

لكنّ القصائد التي تنهل من قواميس الرأسماليّة وتسرح في مخيالها المحدود، إلى جانب كولاج الصور الاصطناعيّة، تخلق مشروعًا جماليًا قبيحًا مثيرًا للقرف، يحاكي ما ينتجه الذكاء الاصطناعي هذه الأيام من نصوص شعريّة ممسوخة وعناصر بصريّة مستنسخة. بذلك، فهو لا يعدو أكثرمن محاولات السخرية والتخريب التي يصفها نيتشه كآخر مراحل الوعي بذاته، مهما ارتقت حدّة النقد، وكثرت الإجراءات الاحتياطيّة لمنع اللحم الطازج من التكوّن والولادة الفعليّة حتى لا ينتهي الأمر به بين فكّي النظام الرأسمالي

ظللت أتساءل وأنا أجول المعرض: هل أرض الحلم الوحيدة المتبقية هي أرضُ انتهاء كل شيء؟ أم أرض اللا-ولادة؟
في غرفة العرض المجاورة للمشروع الفنّي يُعرَض تركيب بصري صوتي لزارا جوليوس، أدخل
وأرى شاشة كُتب عليها

:في العتمة أجلس تحت صورة مضيئة تقول إنّ “الموت جزء من العمليّة”، وأفكّر
نعم، حتى الموت جزء من الرأسماليّة

أمّا الحياة كما نحلم بها فلن تكون في مكان آخر

You must be logged in to post a comment.