لطالما كان البشر مهووسين بمسرحيّات المثول أمام القضاء والانتشاء بترقّب حكم العدالة، مدفوعين بذلك الوهم اللذيذ بأنّ العدالة الأرضيّة قد تتحقّق يومًا
أتفرّج على مسرحيّة محكمة العدل الدولية لجرائم إسرائيل، ويحضرني تعريف الخطيئة في الفلسفة اللاهوتيّة عند كيركيغارد: لا تُرى الخطيئة خطيئة إلا إذا ارتُكِبَت في حضور الله. هكذا يتجسّد التصوّر الوَثني في الوعي البدائي لمفهوم الإله، والمفهوم المحدود للخطيئة التي لن تُصنّف على أنّها خطيئة إلا إذا استحضر المُذنب صورة الله كسلطةٍ عُليا تُرتَكب الخطيئة على مرأى وعلم منها
أفكّر في ما استحدثه الغرب من قوانين دولية، وأتساءلُ ببلاهةٍ: ما معنى تقديم أدلّة إبادة جماعيّة؟
تحضرني فجأة آية من سورة المائدة
(أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)
حياة نفسٍ بحياة الناس جميعًا؟! يعني إبادة. ثمّ تُعرَض أدلّة مُستجدية أمام محكمة دولية غربية لتصنيف ما حلّ بغزة على أنه إبادة جماعيّة؟ والإعلام العربي “المؤَسلَم” مُنتشٍ كأنه يوم الحساب! متى سنتحرّر من ترهات القانون الغربي وعين السلطة العليا؟
ها نحن نشهد على هذا الهوس النيكروفيلي الامبريالي في التصنيف والأرشفة والتأريخ المُعدّ مسبقًا للنسيان والتآكل والتغبّر والتأفّف والتجاهل والإنكار والتكرار والتكرار والتكرار. هذه ليست إلا مسرحية صوريّة نُعدّها لأجيال المُستقبل، ليدرسوا في التاريخ (هذا إن ظلت المساقات التاريخية تُدرَّس بالطريقة ذاتها في عالم ما بعد التكنولوجيا)، ونقول: جرت عام ٢٠٢٤ محاكمة إسرائيل بعد أن رفعت جنوب إفريقيا دعوى إبادة جماعية ضدّها…إلخ إلخ من هذا الخراء التاريخي. وسيتفرّج الجيل التكنولوجي مغبونًا على إسرائيل تُدافِع (نعم وبضرواة) عن نفسها أمام هيئة المحكمة العليا، ولماذا؟ لأن الخطيئة ليست خطيئة إلا إذا أقرّت السلطة الوثنيّة العليا بها
لماذا يشغل البشر أنفسهم بوضع هذه القوانين التافهة وتصديقها ثمّ اختراقها؟ كأنّنا نكتبُ مسرحيّة إلهية طوباويّة بأنفسنا، نمثّلها بركاكةٍ، ونشتكي بعد ذلك من صعوبة أدائها، لكنّنا -على كلّ الأحوال- نصفّقُ ونشكر أنفسنا في النهاية على محاولاتنا لتنفيذ حكم العدالة، وإن كان تنفيذًا مسرحيًا صوريًا
مسرح العدل الدولي يحلم، والسياسة تقتل، والدين يُصلّي على الموتى
إنّا للتاريخ، وإنّا إليه راجعون
