المَلَل الكيركيغارديّ

ثمّة تنويعاتٌ ممتعة لكلمة “الملل” باللغة العربية، فهناك الضجر الذي ينطوي على القلَق والضيق من رتابة الحال، وهناك السأم الذي يكفر بالنعمة مُتبرّمًا ويحسّ بالفتور إزاءَها، بلا أدنى حماسة، كأنها والنقمة على حدّ سواء

يقول كيركيغارد في كتابه <إمّا/ أو> إنّ الملل هو أصل الشرور؛ فالآلهة كانت تشعر بالملل ولذلك قرّرت خلق الإنسان. لربّما كان وجودنا على الأرض منذ البداية بدافع التسلية إذن؟ لا تسليتنا نحن، ولكن لنُسلّي الآلهة الضجِرة المُضّجعة في عدمها الأبديّ، ثُمّ صار استحداثُنا للشرّ والقتل وسيلتنا لنتسلّى بالآلهة وبأنفسنا، أو انتقامًا من تسلية الآلهة بنا أولًا، ربّما؟

يُقال إنّ علينا أن نرفع عتبة الألم لنحتمل وجع الحياة، لكنّ ماذا عن الملل؟ أليس من الأولى بنا كذلك أن نرفع عتبة الملل حتى نحتمل كلّ مرادفات الضجر والتبرّم والفتور والسأم! إنّ ما يُحفّز القذف السريع -الأورغازيم المُراهِق- هو عصر المُتعة الفوريّة والمُعلّبة هذا؛ عصر الاكتناز الرقمي والطفح المعلوماتي والوِفرة حدّ الشعور بالفقر والعوز واللاشبع، عصر تفجّر الاختيارات وتطابق البشر حدّ السأم

يخطرُ لي أحيانًا عندما أتذكّر وصف ابن طفيل لحياة حيّ بن يقظان حين أمسى وحيدًا بعد وفاة الظبية التي كانت ترعاه؛ كيف بدأ يضع على نفسه حدودًا للأكل وحدودًا للصيّد وحدودًا للنوم وحدودًا للتأمّل، أنّ  إدراكَ الحاجة إلى الحدّ الاختياري لا الإجباري، والنزعةَ نحو التقنين هما تهذيبٌ للطبع البشري الطمّاع المُتبرّم المَلول. كما أنّنا بخلقنا تنويعاتٍ للمتعة ليست في متناول اليد المُستهلكة الفوريّة، تستحيلُ المُتعة البطيئة قبل تحقيقها إلى مسرّاتٍ صغيرة تشغلُ أدقّ الوحدات الزمنيّة، فلا يعودُ مُهمًّا بعدها إن تحقّقت المُتعة على أتمّ وجه، أو اِستُهلِكَت بأسرع  وتيرة