مُذكّرات من السفر: دعوة إلى صلاة صباحيّة؛ الروحانيّة وسِحر القطيع

Lubiąż, Summer 2018



في مهرجان فنّي للثقافة البديلة يُقام كلّ صيف حول الأراضي الشاسعة لكاثدرائيّة مهجورة في قرية بولندية صغيرة منسيّة، التقيت بمجموعة راكبي درّاجات نارية، بسُتراتهم الجلديّة المُطرّزة بشعار المجموعة، رؤوسهم الحليقة، وعضلاتهم المفتولة الموشومة. قَدِمَ أحد أعضاء المجموعة إلى باب خيمتي المجاورة لخيامِهم وسألني إن كنت  أعرف ما هو اليوم، وأجبته بأنني لا أملك أي فكرة، فرغت بطارية هاتفي، ولا أبالي فعلًا بأن أعرف  ما هو اليوم في هذه البقعة المنسية من العالم الخارجي. ضحك الرجل، وقال إنّه يعرف شعور فقدان أهمية الوقت لأنه يجرّبه طوال الوقت في حياته النوماديّة على الطريق، لكنه الآن مضطر لمعرفة تاريخ اليوم لأنه مشاركٌ في إحدى فعاليات المهرجان لتعليم الراغبين بركوب الدرّاجات النارية، ودعاني بالطبع للمشاركة

خلال أيام المهرجان، ظللت أتبادل أطراف الحديث مع مجموعة راكبي الدرّاجات، وأتعرف أكثر إلى نمط حياتهم.  إلى أن دعاني أحدهم يومًا إلى حضور القدّاس الصباحي داخل الكاثدرائيّة، ولم أتعجّب حينها من تديّنهم لأنه شائع في الثقافة البولندية، لكنّني لم أكن أعرف أن مجموعة راكبي الدرّاجات يأخذون الصلاة على هذا النحو من الالتزام والجديّة. أخبرتُ الرجل أنّني مهتمّة بالذهاب من باب الفضول والتجريب لا أكثر، لكنّه على ما يبدو أخذ هذه الفسحة التجريبيّة على أنّها “لاأدريّة” ضالّة يُمكن بقليل من الروحانيّة إعادة توجيهها إلى المكان الصحيح

في ذلك الصباح، أذهلني العدد الهائل من الحاضرين داخل الكاثدرائيّة، وأنا التي كنت لا أستيقظ مُبكرّا، واعتقدت أن الجميع ينامون  مُتأخرًا أو حتى لا ينامون بعد حضور العروض الموسيقيّة المُتأخّرة جدًا. كان منظر الشباب والشابّات ساحرًا بعيونهم المغمضة وافتتانهم بالصلاة في ضوء الشمس المُتسرّب من نوافذ الكاثدرائيّة المُلوّنة. لكنّ المشهد بدا لي وأنا الوحيدة التي أفتح عينيّ بأنهم نيام أو مُنوَّمون مغناطيسيًا، بروحانيّة ثقيلة لا يُمكن مُقاومتها. شعرتُ حينها بثقلٍ رهيب في صدري، وتذكّرت قصيدةً للشاعرة الإيرانية فرّوغ فرّخزاد تقول فيها

<<كيف امتلَكتني روحُ الصحراء، وأبعَدني سحرُ القمر عن إيمان القطيع>>

لربّما شغلني صوتُ موسيقى القدّاس وضوء الشمس بانعكاسه على وجوه المُصلّين عن إغماض عينيّ والانغماس بروحانيّة جمعيّة، لكنّ الجمع ظلّ يشدّني وأنا أقاوِم إلى أن انتهت الصلاة

سألني الرجل بعد انتهاء القدّاس عن شعوري، فلم أجد كلامًا لأعبّر به عن أنّ التجربة عمّقت شعوري بالوحدة أكثر ممّا غمرتني بروحانيّتها. أردتُ أن أقول له أشياءً كثيرة عن عينيّ اللتين رفضتا أن تكونا مُغمضتيْن، وكيف تشتّت ذهني وراحَ يُفكّر في أشياء أخرى كثيرة، وكيف أنّ مشهد المُصلّين المُغمضين الخاشعين في القدّاس هو عينه عينه المشهد الذي أعرفه من المسجد، وأنّ التجربة كانت مُختلفة فقط لأنّ هناك كلامًا بلغة غير مفهومة وموسيقى وضوءًا ساحرًا نافذًا من زجاج الكاثدرائيّة، لا يُمكن ببساطةٍ أن أتجاهل تأثير هذه الأشياء عليّ. كنتُ أريد أن أقول له كلّ ذلك، لكنّني لم أستطع، وكسرني هذا العجز عن التعبير، فبكيت