“أنت منذ الأمس” رؤية مسرحيّة لرواية تيسير سبول: ماذا بعد أن عرفنا مَن “أكل الكتف وجَرَشَ لحم العصفور”؟

من عرض مسرحية “أنت منذ الأمس”، مسرح الشمس / عمّان ٢٠٢٦


بعد عرض مسرحية “أنت منذ الأمس” للمخرج الأردني عبد السلام قبيلات على خشبة مسرح <الشمس> في عمّان مساء أمس، عدتُ إلى البيت بصمت بارد، نمِتُ فرأيتُ في منامي قططًا تُذبح وتُقطّع أطرافها وتُقصّر أذيالها، وقططًا تموء وتهربُ من غرفة إلى غرفة في فندق كبير، وقططا أخرى ظلّت تتحدّاني وتُحدّق بي بوقاحة، وسمعتُ رفرفة عصافير صغيرة تُحلّق بعيدًا هاربًة منها، لكنّني لم أرها.

المشهد الذي ظلّ يتكرّر في رأسي من مسرحية الأمس هو ذاته الذي شغلني في منامي فحرّفته وأعدت كتابته على طريقتي، كما أفعل عادة في أحلامي.

من عرض مسرحية “أنت منذ الأمس”، مسرح الشمس / عمّان ٢٠٢٦

كنت قد ردّدتُ في مقعدي بهمسٍ شبحيّ مع “عربي” أثناء العرض المسرحيّ السطر نفسه الذي أحفظه من رواية تيسير سبول، وأحزنني:  “حكى لهم قصّة عصفور صغير دخل عبر بواري الصوبّة حتى اسودّ ريشه تمامًا، <<كان لاجئًا>>… <<وكانت رجله مكسورة. واقترحت أمّي أن تشويه لي. فحملته ووضعته على شجرة الكرمة العالية. أتعرفون ماذا حدث له بعد ذلك أيها السادة؟
– لا
-لقد جرشته قطّة بين أسنانها.
– قصّة قد تحدث، ولكن
– قصّة حدثت يا سيّدي، ما الذي تعنيه بقولك “قد تحدث”؟ “

في عتمة مشهديّة المسرح الأردنيّ الذي تُسيّره المهرجانات وتفرّغه المساخر التنميطيّة من محتواه الإبداعي النقديّ، وتحت صمت رقابيّ مُطبق على الرقاب، لم أكن أتوقّع الكثير من العرض المسرحي. 

لكنّه باختصار أذهلني من المشهد الأول حتى الأخير. باشتغاله على العناصر الكابوسية والعبثيّة، إيقاع الموسيقى المرعب بتكراره، وتكرار الشخصيّات للأدوار المتداخلة في  صفاتها، أحال المخرج الزمن المتشظّي في رواية السبول إلى زمن تكميلي دائري، يدور ولا يخرج عن الإيقاع الداخليّ للأحداث المكررة والهزائم الذاتية المتلاحقة. 



عبثية الأحزاب وكلام منشوراتها النظري المكرر.
عبثية الذهاب إلى الحرب في نظام تراتبي يتغذى على أجساد الرتب الصغيرة.
عبثية شعارات القومية والوحدة العربية.
عبثية الحكي عن الاستعمار والبترول وإسرائيل دون فعل.
عبثية الإعلام وترسيخ نظريات المؤامرة.
عبثية دروس التاريخ.
عبثية المثقّف المُشتبك وعجزه عن الإتيان بفعل الانتحار.

من عرض مسرحية “أنت منذ الأمس”، مسرح الشمس / عمّان ٢٠٢٦

أحالت العبثية في الرواية العرض المسرحي إلى كابوس طويل، والجسر الذي يربطه بالجهة الثانية محطم، لا يمكن أن يُعبر منه إلى أرض ثابتة.

من عرض مسرحية “أنت منذ الأمس”، مسرح الشمس / عمّان ٢٠٢٦

لم يرق لي وجود شاشة عرض على خشبة المسرح، لكن توظيفها لتزامن مشاهد حرب الإبادة على غزة مع أصوات أثير إذاعات قديمة تهلّل وتكبّر للجيوش العربية خلق مفارقة درامية هائلة، بحجم خيبات لا يسبّبها إلا السقوط من أمل شاهق مرة تلو الأخرى.

من عرض مسرحية “أنت منذ الأمس”، مسرح الشمس / عمّان ٢٠٢٦

 لعل الرؤية المسرحية للرواية اشتغلت على فسحة الاكتراث العربي الأخيرة التي تدفع لكتابة “شيء غامض” لم يعرف “عربي” بطل رواية سبول ماذا يسمّيه حينها، هذا الغامض عينه الذي أمسى واضحًا اليوم أن انتحار الكاتب تيسير سبول عام ١٩٧٣ لم يكن عبثًا أمامه.