الفيلم الوثائقيّ المغربيّ “كذب أبيض”: بين الكذب السياسيّ والشخصيّ ممرٌ ضيّقٌ إلى ذات الطريق






“الكذب السياسيّ بشكله التقليديّ، كما يبدو من خلال تاريخ الدبلوماسيّات والطبخات السياسيّة، كان يرتبط عادةً بأسرار حقيقية؛ أي مُعطياتٍ تُخفى نهائيًا عن الرأي العام، أو بنوايا ليس لها أن تُدرَك بأية حال بصفة يقينيّة بالدرجة نفسها التي تُدرَك بها الأعمال التي اِرتُكِبت فعلا […] نجاعة الأكاذيب السياسية العصريّة لا تظهر من خلال التعامل مع أسرار، بل وقائع يعرفها الجميع تقريبًا. هذا يبدو واضحًا من الطريقة التي يُعاد من خلالها كتابة التاريخ المعاصر على مرأى ومسمع من أولئك الذين عاينوا الأحداث، وكذلك من خلال خلق صور من شتّى الأنواع […] وذلك لأن الصور، على عكس الرسوم الشخصيّة المرسومة على الطريقة القديمة، لا يُطلب منها أن تُمالق الواقع، ولكن أن تحلّ محله كُليًًا. ونظرًا إلى التقنيات العصريّة ووسائل الإعلام، يصبح طبيعيًا أن يتمتّع هذا البديل بأهمية أكبر من تلك التي يحظى بها الأصل […] فعالبًا ما يكون الفرق بين الكذب التقليدي والكذب العصري، هو الفرق ذاته الذي يوجد بين الحجب والنقض” ( السياسة والحقيقة، حنّا أرندت)



تلعب المخرجة المغربيّة أسماء المُدير في فيلمها “كذب أبيض” ٢٠٢٣ على الحدود الفاصلة بين الصورة البديلة والأصليّة، في مُساءلة مبتكرة لتاريخ عائلتها الشخصيّ متقاطعًا مع أحداث “انتفاضة الخبز” في ٢٠ يونيو ١٩٨١ في الدار البيضاء

حين تكتشف المخرجة أنّ الصورة الوحيدة التي التُقطت لها في طفولتها ليست لها، وأنّ لهذه “الكذبة البيضاء” تاريخ أسود دُفن سرًا مع جثة أختها فاطمة في مقبرة جماعيّة مع ضحايا آخرين قُتلوا وطُمروا في يوم واحد، تُدرك أن ما حدث لم يُحجَب  بالصمت فحسب، بل نُقِض تمامًا 

يجاهد الفيلم الوثائقيّ عادةً لإقناعنا بتصديق الأصل، فيما يتفنّن الفيلم الروائيّ لإقناعنا بتصديق البديل، لكنّ المُخرجة تمزج بفنّية الحدود بين الاثنين حين تبتكر عالمًا مُصغّرًا مُتخيّلًا داخل عالم أكبر بصحبة والدها، وذلك عبر صناعة مُجسّمات فنّية مُصغّرة للبيوت والأبنية في الحيّ الذي تسكنه، وتخلق بصحبة والدتها دُمىً مُنمنمة صغيرة لأفراد عائلتها 

هكذا، تُعيد أسماء المدير تجسيد ما حجبته عنها سلطة العائلة وما نقضته من وقائع امتثالًا لديكتاتورية سلطة أعلى، في مساءلة فنّية ساخرة لتاريخ الكذب السياسيّ، وأشكاله التي تأخذ حياةً متغيّرة مع مرور الزمن

***

في دراسته “تاريخ الكذب”، ينفي جاك دريدا إمكانيّة إيجاد تاريخ نظريّ خاصّ بالكذب كمفهوم، إذ تتغير أشكال وأنماط ممارسات الكذب عبر العصور، ولا يُمكن إهمال “تاريخانيّته” بهذه البساطة. يجادل دريدا أنّ الكذب المُطلق بحسب المفهوم الكانطيّ الذي يفترض وجوب الصدق كضرورة أخلاقيّة في كلّ الحالات مهما “كان الثمن ومهما كانت الظروف التاريخيّة” يلغي بالضرورة ممارسة “الكذب النافع” أو “الكذب الأبيض” بالتعبير السائد

 من هنا، يُماثل المفهوم الكانطيّ القطعيّ والأقرب للمثاليّة حول “شرّ” الكذب المُطلق موقفَ الجدّة تجاه الكذب. إذ تصف أسماء المخرجة التي تؤدّي دورها كراوية ومعلّقة ساخرة على الفيلم جدّتها بالديكتاتوريّة والتسلّط، ونرى لاحقًا أنّ الجدة لديها تعريف واضح وموحّد عن الكذب، فهي لا تعترف “بالكذب الأبيض”، وتفضّل الصمت عوضًا عنه؛ أي حجب الحقيقة بدلًا من نقضها وتزويرها. هذا ما يبرّر صمتها حين تسألها أسماء عمّا حدث يوم ٢٠ يونيو ١٩٨١، فتحرّك يدها فوق فمها لتكميمه، ثم تقول إنّها أغلقت بابها على نفسها وعجنت خبزها بصمت. ونراها في مشهد آخر تهاجم وتُعيب على والدة أسماء كذبها، لأنّها خدعت ابنتها بصورة ليست حقيقيّة، بتبرّر الوالدة أنّها “حرّة”، ويُمكنها أن تفعل ما تشاء، فأسماء “ابنتها”

هذا التركيز على الحريّة إلى جانب تبرير الوالدة لفعل الكذب لا يبدو عبثيًا

تربط حنّا أرندت في دراستها “السياسة والكذب” حرية الفعل والقدرة على تخيّل الأشياء في صورة مختلفة لما عليه بفعل الكذب نفسه، فترى أنّ “النفي المتعمّد للواقع، أي القدرة على الكذب وإمكانيّة تغيير الأوضاع، أي القدرة على الفعل، مرتبطان بشكل قوي، وينبثقان من المصدر نفسه: القدرة على التخيّل”

  يبدو تبرير الوالدة لحريّتها في الكذب على أسماء لأنّها “ابنتها”، أي ممتلكاتها، اعتباطيًّا، لكنّه منطقيّ من وجهة نظرها، خاصةً أنّها لم تكذب عليها بقصد إيذائها أو تضليلها، وإنّما لتحميها من معرفة “الحقيقة” البشعة، وما حدث لأختها فاطمة

والسؤال هنا: من أين استمدّت الوالدة قدرتها على هذا “النفي المُتعمّد للواقع” والقدرة على تخيّل “حقيقة بديلة”؟ في المقابل، هل يكون انكفاء الجدّة على ذاتها وخوفها من الكلام والاعتراض على الأحداث السياسيّة واختيار الصمت والاستسلام  بديلًا ينزع عنها حريّتها وقدرتها على التخيّل كفعل مقاومة؟

قد لا يؤدّي تصوّر أرندت عن ارتباط الكذب السياسيّ بحريّة الفعل والقدرة على التخيّل  إلى ذات الطريق إن اعتمدنا القصد من وراء فعل التخيّل الفنّي أساسًا. يعتبر أوسكار وايلد الكذب فنًّا أدبيًا، يتّسم بالانحطاط إن خلا من أي إبداع وابتكار وصار مباشرًا وغبيًا مثل الكذب السياسي. في المقابل، فإنّ “الميثاق التخييلي” بحسب تعبير إمبرتو إيكو الذي يُوقّع ضمنيًا بين الكاتبة أو الكاتب مع الجمهور المُتلقّي ينزع عن التخيّل صفة الكذب الذي يهدف إلى إيذاء الآخرين وخداعهم أو نقض الحقائق وتزييفها أو أي أشكال أخرى من الكذب كالافتراء والتدليس أو حتى الكذب النافع الأبيض. فالميثاق التخييلي في الأدب موقّعٌ مُسبقًا بين الطرفين، والقارىء أو القارئة يرتضيان هذا “الكذب الفنّي” بهدف الإمتاع، أو حتى أهداف أخرى هما على علم بها على الأقل 

إن كان “الكذب الأبيض” تخييلًا نافعًا لحماية طرف ضعيف، فإنه يستغلّ براءته وجهله بالضرورة، وهذا ما فعلته الوالدة مع  أسماء. وإن كان “الكذب الأبيض” يحمل نيّة حسنة فلا أحد يمكنه أن يضمن العواقب حين تُكتشَف الحقيقة، لأنه ببساطةٍ لا ينفي استغلال براءة الطرف الأضعف، أو تعرّضه لخيبة أمل جرّاء خدش الثقة في العلاقات الشخصيّة

ما يحضر في فيلم أسماء المدير هو أنّ الصدق ليس مطلوبًا من ناحية أخلاقيّة وفلسفة مثاليّة لأجله فقط، بل هو كذلك من ناحيّة وظيفية في العلاقات الشخصيّة، لأن تكراره كنمط سلوكيّ شبه مستمرّ هو ما يبني الثقة بين طرفين، وإن خُدِشت باستمرار فلن تتصلّح. هذا بالضبط ما يفسّر انعدام الثقة بالسياسيين: تكرارهم لممارسة  الكذب على المدى اليوميّ، ما ينزع عن هذا الكذب فنيته وابتكاره في التخيّل، ويحيله إلى فعل منحط ينقض الوقائع ويسيء تمثيلها على نحو علنيّ ومباشر، باستخفاف ولا مبالاة

إلا أنّ ما تخلقه المجسّمات المُصغّرة والدمى في الفيلم يكتسب قوّته وتأثيره بصفته فعلًا سياسيًّا وشخصيًّا حرًّا لتخيّل واقع بديل أو حتى إعادة الثقة بين أفراد العائلة، عبر إحياء الحقيقة في الأصل المُصمَت. يحمل البديل المُتخيّل بفنّيته الجمالية ميثاقًا تخييليًا توقّعه العائلة طوعيًا مع الابنة أسماء، بهدف الإفصاح  وفضح المُحرّم، والابتهاج بإدخال الضوء على عتمة لا يخلقها إلا الكذب والافتراء والخداع والتضليل



تسلك الانفعالات المتأخّرة لأفراد العائلة لما حدث في ذلك اليوم المشؤوم طريقها نحو التحرّر من ثقل الصمت والإحساس بالخزي والعار لما لا يمكن البوح به طويلًا.  لذلك، ليس غريبًا أنّ المكان الذي يحوي هذه المجسّمات الصغيرة صار مهجورًا  في النهاية، بعد أن أدّى وظيفته كبديل صادق عن الأصل الذي نقضه الكذب السياسيّ بأبشع الوسائل

حينها فقط يُمسي النسيان أمرًا ممكنًا بل حتميًا لمحاولة التشافي من صدمات الماضي