إرنستو ساباتو والنَّفق الذي لا يُفضي إلّا إلى نفسه

Artist: Ernesto Sabato. Title: Pintor con poliedroPainter with polyhedron, 40 x 50 cm.. INTI No. 71-72, Primavera-Otoño 2010, p. 391.


ولأنّ الإنسان لا يعتبر الآخر إلا مُعيقًا له، ومُضيّعًا لوقته، فإنه يجد نفسه اليوم وحيدًا بشكل فظيع؛ وربما أمكن القول إنّ النزوع الانطوائيّ صار يضرب بجذوره العميقة وسط هذه الساكنة الموسومة بالكثافة الهائلة التي تتألّف منها مدننا
(الممانعة، إرنستو ساباتو)


هاربًا من جحيم العلم إلى رعب الفنّ والأدب، تخلّى الكاتب الأرجنتيني إرنستو ساباتو عام ١٩٣٨ عن العمل باحثًا في مجال الإشعاع الذريّ في مخابر <كوري> في باريس، وبعد مرور عقد على هذه “الصحوة الروحية” وتغيير مساره الكونيّ، نشر رواية النفق

رسّام يُدعى <كاستيل>عالقٌ إلى الأبد في نفق تحليلاته المُعَقلنَة، وجهنّم تناقضات الشعور البشريّ، ورعب اللافهم، والإخفاق المتواصل في التواصل مع أحد، حدّ الهذيان والجنون. حين تظهر <ماريّا> في إحدى معارضه الفنيّة، وتحدّق في النافذة المرسومة في لوحة من لوحاته، يشعر أنّه لم يفهمه بشرٌ سواها. النافذة التي لم تلفت انتباه الجميع، ولم يستطع النقّاد إدراك أهميّتها، ليست مجرّد نافذة في لوحة، بل كانت نافذةً إلى نفق كاستيل الموحش، وروحه المُعذّبة، وعوالمه القاتمة والمريضة

يُصرّ <كاستيل> على رواية قصّته بنزاهة إصرارًا يدعونا للشك، يُركّز على سرد التفاصيل، ويجمع بين السخرية والاستهزاء بنفسه مع الآخرين. يُحبّ <ماريا> حبّا بغيضًا وأعمى، مدفوعًا بوهمه أنّها “تفهمه”، ويظلّ يلهث طيلة الرواية سعيًا لفهمها ظاهريًا، فيما يُصارع فعليًا لفهم ذاته. كلّ هذه التناقضات تنبع من رغبته المثيرة للشفقة في فهم الآخر له، وسعيه البائس لإيلاج جملٍ في سَمّ الخياط

تأتي سخرية <كاستيل> ونفوره من مشهد النقد الفنّي توكيدًا لإحساسه بعزلة اللافهم، لا يخترقها إلا طيف <ماريّا> الشبحيّ. وفي دوّامة من حواراتٍ مبتورة وعقيمة، يشفّ لنا أنّ <كاستيل> ليس متيقّنًا من فهم ماريّا له، ويتوغّل إحباطه كلّما سعى لمساءلتها والحفر عميقًا في معاني كلماتها المقتضبة، لتُفتّت له بضع كلمات في إجاباتٍ مُخدِّرة، تُثنيه قليلًا عن مسالخ التحليل العبثيّ

قد لا يبدو <كاستيل> الرسّام المجنون راويًا موثوقًا؛ هذيانه وسُكره وتسكّعه في شوارع بيونس أيرس كلّها تصرّفاتٌ تُضعف من مصداقيّته، لكنّ براعة ساباتو في مَنطقة تحليلات  <كاستيل> ودقّة ملاحظته للتفاصيل، واستعادتها ومساءلتها حين يكون  صاحيًا، تُفلح في شدّنا إلى مجاله المغناطيسيّ حدًّا يجعلنا أحيانًا منوّمين بما يقول ويفعل

هكذا يضعنا ساباتو في مأزق نفق لا يُفضي إلا إلى نفسه، يُضيء من عتمة استنتاجاته، لا تُطمئنه إلا إجاباته، لا تُرعبه إلا هواجسه، لا يسمع إلا ضجيج كلامه، ولا خطوات تتحرّك أمامه وخلفه إلا خطوات ظلّه. فكيف لنا ألا نُصدّق <كاستيل> ونحن نرى عالمه من خلاله؟ عالم منسوج بإتقان، وإن بدا مجرد هذيان مجنون، فإنّ تكرار الأدلّة  المنطقية كما يراها، وتتابع المواقف المُدعّمة للاستنتاجات كما يعيشها، وانتقاء الكلمات وتمحيصها وفكّ شيفرتها، يخلق حقائق كافية ومُقنعة -لكاستيل على الأقل- ليفعل فعلته تلك بلا ندم

سؤال واحدٌ ظلّ <كاستيل> يلهث وراء معرفة إجابته: هل تفهمه <ماريّا> وتُحبّه كما لم تحبّ أحدًا من قبل كما تدّعي؟ أم هي محض “عاهرة” تتلاعب به كما تتلاعب بغيره؟ وماذا عن زوجها الأعمى وابن عم زوجها الذي يشكّ بأنه عشيقها؟

إنّ إصرار <كاستيل> على معرفة صدق <ماريّا> من زيفها، طهارتها من عهرها، يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى هاجس ذاتيّ،  وهوس يعكس دواخل كاستيل المتعفّنة، وعُهره الجسديّ والروحيّ. لا يبدو أنّ تحليل اضطراباته النفسيّة يشغله بما يكفي ليتوقّف عن رؤيتها منعكسة في شخصيّة <ماريا>؛ إذ تنعكس مغامرات <كاستيل> الجنسيّة الزائفة والمُصطنعة مع “بائعات الهوى” عليها، يربط تصنّعهنّ بتصنّعها معه، ويستنتج أنّ شيئًا مشتركًا وحتميًا يجمعها بهنّ

هذا ما يؤكّد أنّ <كاستيل> لا يملك قدرة على تغذية استنتاجاته وتحليلاته إلا بالاعتماد على تجاربه الخاصّة، ومشاعره وانفعالاته الشخصيّة. حتى حين يخرج من دائرته المُحكمة باحثًا عن إجاباتٍ عند الآخرين، لا يحصل على إجابات واضحة، فيكتفي بتحليل كلّ ما لا تجرؤ الألسن على قوله، وتؤكّده لغة الجسد، مع شذرات مُتفرّقة متردّدة ومتناقضة وغائمة


تتداخل براعة ساباتو في الفصل بين استنتاجات <كاستيل> الواهنة واللعب على شخصيّة <ماريا> كما نختبرها بعيني <كاستيل>: لا تستحقّ الثقة، بخيانتها لزوجها، بصمتها، واقتضاب إجاباتها، وتهرّبها المتكرّر من المواجهة، وعنفها السلبيّ الغامض الذي يدفع بكاستيل إلى مزيد من العنف والتخبّط والشعور المتكرّر بالعار متبوعًا بالندم، واللجوء إلى رسائل الاعتذار التي تفقد قيمتها ولا تنفع إلا بعد تهديده بالانتحار. تُجبرنا <ماريا> بسلبيتها، بعنفها الصامت، وتصرّفاتها اللامبالية والأنانيّة -وإن بدا لنا أن <كاستيل> يراها من نفق عقليّ محض- للتعاطف معه ومحاولة فهم تصرّفاته: مُعذّب ووحيد ومتروك للشك ناهشًا في نخاعه. وعلى أنّه يستسلمُ لشكوكه حول عهرها وكذبها، يحاول أن يُسلّم لحبّ غير مشروط بلا جدوى

ما تعكسه شخصيّة <كاستيل> من تناقضات يأخذ ثلاثة مسارات وضعنا ساباتو أمامها ببراعة، دون أن يهتمّ بِمَ سنختاره في النهاية، لأنّ النفق نفق <كاستيل> ولن نخرج منه حتى لو أنهينا قراءة الرواية: المسار الأول؛ تصديقه رغم تناقضاته الشعوريّة، لأنّ التناقض جزء من الطبيعة البشريّة، ويكفي أنّ تتابعَ الأحداث منطقيّ، والتحليلات التي يُغدقنا بها متماسكة معظم الأحيان، ولا تخلو تمامًا من الصدق

 المسار الثاني؛ تكذيبه رغم تناقضاته الشعوريّة، لأنّ التناقض في المشاعر وتضاربها طبيعيّ، أمّا التناقض في الأفعال ففاضحٌ ومن الخطير تجاهله


وفي النهاية، يبرع ساباتو بأسلوبه الروائيّ الأخّاذ في أن يرسم لنا مسارًا ثالثًا بين الكذب والحقيقة، يحشر عالمه الروائيّ كلّه في سراديبه، ويُمعن في جعله أكثر إيلامًا وتشويهًا حين
يُشهدنا على <كاستيل> واعيًا ومُذعنًا به

“هناك في جميع الأحوال نفق واحد فقط، مظلم وموحش، هو نفقي أنا، النفق الذي أمضيت فيه طفولتي، وصباي، وعمري كله. وإنّني من خلال بعض تلك القطع الشفّافة في الجدار الحجري كنت قد رأيت هذه الفتاة، واعتقدت بسذاجة، أنّها كانت آتية من نفق آخر، موازٍ لنفقي، بينما هي في الواقع تنتمي إلى العالم الواسع غير المحدود، إلى عالم الذين لا يعيشون في الأنفاق، ولعلّها بدافع من الفضول اقتربت من إحدى نوافذي الغريبة، وواجهت مشهد عزلتي الأبديّة، أو أسرتها اللغة الخرساء، مفتاح سرّ لوحاتي…عندئذ كنت، وبينما وجهي ملتصق بالجدار الزجاجيّ، أراها من بعيد تضحك أو ترقص بلا مبالاة، أو، ما كان أسوأ، أنّني كنت لا أراها إطلاقًا، وأتصّور أنّها في أماكن عصيّة، أو غريبة، فأشعر بعزلة مطلقة تطبق على مصيري، تفوق حدودها كلّ ما كنت أتصوّر” (ص١٨٢-١٨٣)

 ما تقوله <ماريا> وتفعله في الرواية مُقنّن ومُقتضِب وغامض؛ هكذا تبدو من وراء جدار <كاستيل> الزجاجي، وهكذا أراد لنا ساباتو أن نعرفها عبر منظور أحاديّ وغير موضوعيّ، لا ليقول لنا إنّ الحقيقة ناقصة حين تأتينا من وجهة نظر واحدة، بل ليؤكّد لنا أن معرفة <ماريا> لن تغيّر شيئًا ممّا يُصرّ <كاستيل> على رؤيته، وفهمها في النهاية لن يُغيّر شيئًا ممّا سيشعر به، وسيُقدِم على فعله، ما دام عالقًا في نفق من تحليلاته وهواجسه.  فهل رأى <كاستيل> <ماريّا>  وعرفها في أقرب صورةٍ تُماثل حقيقتها فعلًا؟ أم تراه لاهثًا لمعرفة ذاته وفهمها من خلال <ماريا> بأنانيّة تُلغي أناها؟

قد تكون شخصيّة <ماريا> بخداعها وتلاعبها وشاعريّتها وسحرها- وكلّ ما تنضوي عليه النفس البشريّة من تناقضات مُقرفة وجذّابة- سببًا ثانويًا في دفع <كاستيل> للارتطام مرارًا بجدرانه الزجاجيّة، لكنّه في النهاية المسؤول الوحيد عن اختياره بألا يراها إلا امتدادًا لذاته: فتراها تحمل جزءًا من فنيّته ورهافة إحساسه بالجمال، وجزءًا آخر قبيحًا، ومعطوبًا، وعليلًا، لا يُطيقه كما لا يُطيق الحياة نفسها


رواية النفق رحلة موحشة ومرعبة في اختبار عزلة الكائن البشريّ وجحيم اللافهم مُكرّرًا إلى الأبد. هل يقوى الحب التعلّقيّ المَرضيّ والتملُّكيّ على إيناس ظلمة النفق؟ أم  أنّه ما يزيده وحشةً وحسرة؟ ما الذي تعنيه الحقيقة التي نكتشفها لآخر لن يفهمها؟ ما قيمتها إن أدركناها وحدنا وفي نفق عقليّ سريّ؟ بل ماذا لو كانت الحقيقة في نفق ما هي الكذبة في نفق موازٍ؟ وكيف لنا الخروج من عزلة الأنفاق البشريّة في عالم يتسارعُ مُنحدرًا إلى الفناء،  فيما نظلّ نتخبّط كخِلدان عمياء، لا نُبصر حتى أنفسنا؟