
في الليلة التالية لرحيلكَ، طَوّقَني الليلُ في مملكةِ الحُلم. ظلامٌ لَفيفٌ إلى أن وَطأتُ شرفةَ انعتاق. طَفِقَ الليلُ مُرتابًا يُبدّلُ الأزرقَ الكُحليّ بالحُلكة الغاشمة، على وشك الهروب كعادته أولى ساعات الصباح
حَلّقَ سربٌ من الطيور، خِلتُها حمامًا زاجلاً حاملًا رسالةً من الغياب، اقتربتُ من سور الشرفة، فهجرني السربُ بعيدًا، ما خَلا طيريْن ظَلّا على الحافة
تبَيّنتُ في هَدأتي أنّ بِساطًا فارسيًّا منقوشًا بزخارف النباتات والحيوانات يتدلّى على سور الشرفة الداخلي، ويمتدُّ طرفه الآخرُ خارجًا عن السور مُعلَّقًا في الهواء. كان الطائران الباقيان واقفيْن على الطرف الخارجي للبساط، تُزيّن أقدامَهُما خلاخيلُ ملُوّنة. حَرّك أحدُهما رأسَه نحوي، ظلّ يدورُ يُمنةً ويُسرةً يُمنة ويُسرة، يُطمئنني بحنوّ اِلتفاتِه: لن أُشيحَ وجهي عنكِ. أدركتُ أنّ الطائريْن من بوم الحظائر، تجسّدا في هالة حمام، ولَبِسا خلاخيلَ ملونةً تَرِنُّ إيناسًا لوَحشتي في أرض الحُلم
أَطلَّ البومُ عليَّ فجأةً بجسدٍ أضخم مما كان عليه، رأيتُ وجهًا قلبيّا أبيضَ، كتفّاحةٍ مُكتملة لم تَمسَّها يدُ الخطيئة بعد. تُجاورهُ بومةُ حظائرَ أخرى، ظلّت تُحدّقُ _بثباتٍ دون التفاتٍ_ في تدّرجِ اللونِ عند سُهمَة الأفق
مَدَدتُ يدي وعَدَدتُ: واحد، اثنان
:أضاءَ إبهامي دائرةً صغيرة
كصلاةٍ صوفيّة
حولَ كونها
في وئام
َ:في سُكون الظهيرةِ التاليِة للحُلم، قرأتُ قصيدةً، وائْتَمَنتُ الأثيرَ على صوتي إليك
في عالم البوم الهائل”
ليست الأشياءُ
“سواسيّة
:فاستجبتَ لي
ِفي عالمنا الهائل
الصّحو والحلمُ
لا يَستويان
ما عادَ يُحزنني غيابكِ الغافي، ما دُمنا صاحييْن أبدًا في أرضِ النّوم

You must be logged in to post a comment.