
عُرض قبل يومين في دارة الفنّون- عمّان الفيلم المستقلّ <شرق ١٢> للفنّانة والمخرجة المصرية هالة القوصي. فيلم غرائبيّ قاتم لا حلو فيه سوى مكعّبات السكر، والموسيقا، والخيال. تعيش الشخصيّات حبيسة عالم من الأسود والأبيض، لا مهرب منه سوى فسحة الخيال في حكايات <جلالة>، التي يُصدّقها الصغار حدًا تصير بعده الأرضية الجافّة بحرًا مُتخيّلًا يحرّك أجسادهم الصغيرة للسباحة في المكان.
ابتلاع مكعّبات السكر للتصبّر على مرارة العيش، البحث عن الكنز في الصحراء، صناعة الموسيقا الداخليّة الشخصيّة هي منافذ <عبدو> للهروب من المكان الذي يضيق به حتى بخيال الحكايات المستهلكة التي يسمعها من جدّته <جلالة>. يتمرّد عبدو على الخيال التلقيني في الحكايات، ويحلم بالهروب إلى “واقع” حقيقيّ من صنع خياله هو، بصحبة “نُنّة” الفتاة المُستغلّة جنسيًا التي تحلم بالهروب مع <عبدو> والانفلات من قبضة البهلوان <ِشوقي> الذي يحتجز أهل المكان بعروضه السخيفة التي لا بديل عنها. تبدو محاولات <عبدو> للحفر في عمق الأرض وصناعة الموسيقا الخاصة أفعالًا تمرّدية لا طائل منها إلا لتغذية خيالاته عن مكان آخر. وبذلك تصير خصوصيّة الأفعال التمرّدية أدواتٍ لتخيّل عالمٍ آخر ملوّن، فيه بحرٌ وعَومٌ وانعتاق.
ترسم القوصي البحر بصريًا بالأسود والأبيض في مشهد تحريكيّ يحاكي خيال الأطفال عن البحر وأمواجه العالية، مشهدٌ أخاذٌ لا علّة فيه سوى الأسى الذي يبعثه انعدام اللون والملمس والرائحة حتى في الخيال. يبدو خيال الأطفال محكومًا مقيّدًا بخيالات <جلالة>، فحتى في سعيها لتحرير الأطفال من قبضة العالم القاتم الذي وُلدوا فيه، كان خيال الحكايات التلقينية خانقًا نمطيًا، لا يُقارن بخيالات <عبدو> و<نُنّة> للبحر. تخلق القوصي عالمًا مرعبًا من الخيال المُتطابق، لتذكّرنا أنّ الأصل في الخيال اختلاف.
شدّتني الموسيقا التصويريّة في الفيلم، مشغولٌ عليها بحيث تصير عنصرًا ينمّط أو يغيّر، يحبس أو يُطلق تبعًا لخيال الشخصيّة التي تؤدّيها. لعلّ أكثر المشاهد التي حرّكتني حين تطلب <نُنّة> من <عبدو> أن يُسمّعها موسيقاه: في مشهد رقصٍ ثنائيّ على إيقاع المقسوم المصريّ، تجتاح البهجة الجسدين الراقصين، وبالحركة الحرّة ينفصلان عن جمود عالم قاتم.
تخيّلتُ جسدي حينها واقفًا على الحجارة تحت الأشجار، حيث يُعرض الفيلم في الموقع الأثري لدارة الفنون في الهواء الطلق، راقصًا بين الحاضرين: دفقة خيال خاصّ لا تعبأ بقواعد الحيّز العام.
كنّا قبل العرض قد وقفنا دقيقة صمت على أرواح الشهداء والجوعى في غزّة. وقفنا مُطأطئين رؤوسنا. فكّرت كيف أنّ الجوعَ صار شقيقًا للموت يستدعي الوقوف والصمت، وكيف أنّنا أيضًا جوعى إلى شيء آخر؟
ناقشت القوصي الفيلم مع الحضور بعد العرض، قالت إنّ هناك من أخبرها أنّ أهل غزة منذ بدء الحرب يتعاملون مع مكعّبات السكر كما تعاملت معه الشخصيّات في الفيلم: عملة نادرة؛ تُعَدُّ، وتُشَمّ، وتُخَبَّأُ، وتُقايَضُ، وتُشرَبُ مع الشاي كأنّها آخر مُكعبات سكرٍ في الوجود.
لم أهتدِ إلى هالة القوصي أولًا عبر أفلامها، دخلتُ إلى عالمها عبر كتابها البصري-النثريّ الوحيد <دائرة سين> الصادر عن دار شرقيّات عام ٢٠١٣. عثرتُ على الكتاب في أول زيارة للقاهرة قبل أكثر من عشرة أعوام في الهيئة المصريّة العامة للكتاب. جذبتني الفوتوغرافيا أكثر من النصّ، ولكنّني سرعان ما أدركت أنّ غرابة النص المديني موائمة للصور بالأبيض والأسود في مدينة القاهرة، فأحالتني بأسلوبها إلى “فلانوس” صغيرة في مدينة القاهرة العظيمة

انتظرت انتهاء العرض واقتربت من هالة وأنا أحمل كتابها بين يديّ. كان أحد الحاضرين يُمطرها بأسئلة دقيقة عن الفيلم، وما إن لَمحت الكتاب في يدي، علا صوتها في دهشة: “إنت جبت الكتاب ده منين؟” توتّرتُ كما عادتي في المواقف الاجتماعيّة مع الغرباء، وقبل أن أشرح لها من أين حصلت على الكتاب، كرّرت سؤالها: “إنت جبت الكتاب ده منين؟ ما فيش منه غير ٥٠٠ نسخة!”
أخبرتها كيف وصل الكتاب إليّ. بدا على وجهها الخيبة: اشتريتُ كتابها مستعملًا من الهيئة المصرية العامّة للكتاب (الكتب هناك تباع بجنيه وجنيهين)! بالتأكيد ليست قصّة شيّقة. على ما يبدو أنّ الكتاب كان طبعة محدودة عام ٢٠١٣، ولم ترغب بإعادة إصداره. قالت لي إنّها لا تملك منه إلا نسخة واحدة، وسألتني: “معاك قلم؟ مش عاوزاني أهديهولك؟ إنت واحدة من ٥٠٠ واحد بس معاهم الكتاب؟!” اكتسى الفضول بعض الأشخاص ممّن كانوا حولنا، وطلب أحدهم منّي أن يتصفّحه
كرهتُ الكتاب لبرهة بعد أن صار مثل <مُكعّب سكّر> ثمين بين يديّ فجأة!
قالت لي هالة أنّ أحدهم سألها عن الكتاب اليوم، وأنّها صدفة غريبة. شعرت بانفصالها عن الكتاب كأنه من زمن بعيد، حيث أكّدت لي أنها لا ترغب بإعادة طباعته. كان غريبًا أن عرضت عليّ إهداءَه وتوقيعه، كأنّها بتوقيعه ومنحه لي أعادت امتلاكه بعد الانفصال العاطفيّ والذهنيّ عنه
وبينما كانت هالة توقّع الكتاب، أخبرتها كم أحببت موسيقا الفيلم التصويريّة، ثمّ سألتها عن ذاك الكائن الغرائبيّ الذي قذفه الموج في إحدى مشاهد الفيلم، إذ لاحظت أنّه مُشابه لصورة في الكتاب: “أبو رجل مسلوخة”. فأجابتني بابتسامة: “أيوا هي الحاجات دي كلّها هنا”.

ثمّة سطر في الكتاب كنت قد وضعتُ عليه خطوطًا بقلم الرصاص:
“الغريب جريء، يتوقّف عند ما لا يتوقّف عنده غيره”
عالم هالة رحيب وغريب وجريء جدًا. مُثقلٌ بالبصريّات والأساطير والحكايات الشعبيّة والخياليّة
توقّفي عندها/ معها بعد مرور أكثر من عشرة أعوام على اقتناء كتابها أثناء جولة عشوائيّة في شوارع القاهرة أغرب وأغرب


You must be logged in to post a comment.