عَبَر اسم الروائيّة البرازيلية كلاريس ليسبكتور إليّ في عرض موسيقي لفرقة فلامنكو عام ٢٠١٤. في محادثة عابرة مع أحد الحاضرين قبل ابتداء العرض، سألني من اللاشيء ماذا أقرأ في الوقت الحالي؟ إحدى روايات فيرجينيا وولف كانت إجابتي حينها، ليُعقّب الغريب أنّه يحبّ كاتبة برازيليّة أسلوبها مقارب لوولف، لكنّه أكثر غرابة اسمها كلاريس ليسبكتور
اشتريتُ روايتيْ “ساعة النجمة”، و”الشغف بالنسبة ل جي. اتش” مترجمتيْن إلى الإنجليزيّة بعد العرض، لكنني لم أقرأهما إلا بعد عدّة سنوات.
أصابني مسّ من سحر ليسبكتور. طعم أدبيّ لم أكن قد تذوّقته بعد، إلا أنّه مُعتّقٌ في الجوف وحارقٌ في كلّ موضع شعوريّ مألوف كان قد يئس من مجيء الكلام لاستدعائه وإنطاقه بالمُسمّى. دلّتني ليسبكتور على مكانٍ خائف وجبان في دماغي يتجنّب استخدام الكلمات كيلا يمسي الإنكار مستحيلًا، وبالقدر الذي أَمقت تسميةَ الشعور اللامُسمّى أحببتها… وكما كلّ الأشياء التي أحبّها، أتفلّت من قبضّة استيلائها عليّ بالمسافة
***
مرّت سنوات قبل أن أقرّر قراءة ليسبكتور مرة أخرى؛ هذه المرّة مترجمةً إلى العربية ترجمةً ( ترجمة صفاء جبران) مُتقنة ومُتماسكة بكثافة وعي ليسبكتور المتداعي بلا رحمة. لم أكن أقرأ أكثر من صفحتين أو ثلاثة في اليوم الواحد، ليس لأنّني قارئة سلحفائيّة كالعادة، ولكن لأنّها كلاريس ليسبكتور.
الكتابة عن اللاشيء شاسعة، شاهقة. أراقبُ طموحها كنملة صغيرة تحملُ مكعّب ملحٍ وأسقط في بقعة ماء صغيرة حين أقترب من فهمها فأغرق ويذوب الملح وأعود للصفر مُجدّدًا. وهكذا أقرّر أن أقرأ بلا فهم، وحين أفهمُ أكثر ممًا يلزم، أُفسِدُ الحياة. لا أكرّر قراءةَ الجمل؛ أقرأ إلى الأمام بلا رجعة
هذه روايةٌ تُدوّنُ الآن. الكتابة عنها أشبه بالكتابة عن ماء يتسرّب من بين اليدين. أمّا قراءتها فأشبه بمحاولة الاحتفاظ بالماء بين أصابع اليدين أطول وقت ممكن. ثمّ الفشل في ذلك، وإعادة المحاولة من جديد
