الفيلم التونسي “طلامس”: ماذا لو عدنا إلى الطبيعة؟








شاهدتُ مؤخرًا فيلم المخرج التونسي علاء الدين سليم “طلامس” 2019. يضيء الفيلم على محاولة هروب البشريّ الفاشلة من حظائر الحياة اليوميّة إلى ظلمة البراري، بعد أن يُطبق روتين العمل الاستعباديّ على أنفاسه سأمًا وعبثيّةً

يستغلّ أحد المُجنّدين التونسيّين إجازته بعد دفن والدته الميّتة للتنصّل من الخدمة في الجيش. ودون أي تخطيط مسبق كما هي الحياة دائمًا، يلوح موت والدته فرصةً لا تُفوّت، كما لو كان كفنًا يلفّ ذاته المُستعبدة في الخدمة العسكريّة، وتحرّر ذات جديدة متمرّدة وهاربة، تتوق إلى التواري بعيدًا عن ملاحقات الجيش ومطالبتهم له بالعودة إلى موقعه في معسكرات الاستعباد الحديث

تغطّي المشاهد الأخيرة في الجزء الأوّل من الفيلم لجوء الرجل إلى غابة على أطراف المدينة عاريًا، والتحرّر من كلّ المهام والأعباء الخانقة، إلى أن تغرق الشاشة بمشاهد ظلام دامسة، لا نتبّين بعدها إن كان مصير الرجل النجاةَ من مخالب المدينة أم الهلاك في مأزق البريّة

يبدأ الجزء الثاني من الفيلم  بلقطة قريبة لامرأة جالسة فوق مقعد داخل محلّ أثاث، ثم نتتبّع رحلة عودتها إلى بيتها الفخم الواقع على أطراف المدينة في مشاهد التقطت من الأعلى تصوّر ولوجًا مُتمهّلًا في جماليّته إلى اخضرار الغابة القريبة. تتابع مشاهد السأم من مظاهر البذخ، القلق لدى اكتشاف المرأة  بأنّها حامل، البرود بينها وبين زوجها المسعور بالشغل، ثمّ اللجوء إلى الطبيعة ذات صباح والمشي دون غاية محدّدة، إلى أن يتقاطع مصيرها مع الرجل الهارب في الجزء الأول


في سير أشبه بملحمة جلجامشيّة معكوسة، نشهد معالم تحوّل الرجل في الفيلم من الحضارة إلى البريّة المتوحّشة، لذلك فإن تركيز الفيلم على التحوّلات في طريقة التعبير يمثّل العنصر الأقوى في الفيلم باعتقادي: ما الذي سيطرأ على اللغة “المنطوقة” الآن؟ هذا العنصر الفاصل بين الإنسان والحيوان؟

ودون أيّ تمهيد منطقيّ، تباغتنا اللقطات القريبة في التركيز على عينيّ الرجل والمرأة لحظة التلاقي: اتّساع الحدقة من الدهشة، رقصة البؤبؤ من الخوف والترقّب، انغلاق العين هدوءًا  واستسلامًا للضعف والهشاشة، وغيرها من الجمل المنبثقة عن لغة العيون  نقرؤها مُترجمةً إلى ” العربية الفصحى” لا “الدراجة التونسيّة” عبر شريط في أسفل الشاشة

ظلّ إنكيدو في ملحمة جلجامش الأثيرة حيوانًا صامتًا هائمًا في البراري، إلى أن فقد عذريّته الحيوانية بعد أن أغوته امرأة في النوم معها، واصطحبته إلى مدينة أوروك كائنًا جديدًا مُهجّنًا ومدُجّنًا. في المقابل، يُمثّل حضور المرأة الحامل بطفل من رجل آخر (طفل الحضارة) أمام الرجل الهارب إلى البراري في الفيلم الملحمةَ معكوسةً: كيف على الرجل الذي بات وحشًا منعزلًا منذ فترة وجيزة  أن يأخذ بيد المرأة المَدنيّة عائدًا بها من الحضارة إلى البريّة الآن؟

يُشير هيثم الورداني في كتابه “بنات آوى والحروف المفقودة: عن الحيوانات الناطقة في لحظات الخطر” الصادر عام ٢٠٢٣ إلى الاختلاف بين إنكيدو في الرواية السومريّة والأكاديّة؛ “إذ قامت حضارة سومر على مدن مزدهرة ومستقلّة لا تجمعها سلطة مركزيّة، وتشكّلت فيها نواة الاستقرار الزراعيّ الذي غيّر تاريخ البشريّة. فخلالها بدأ تدجين الحيوانات والتركيز على نمط معيّن من الزراعة وهو زراعة أنواع معيّنة من الحبوب، ممّا أدّى إلى تهميش أنماط الحياة السابقة مثل تلك القائمة على الرعي أو الصيد أو الترحال”، لذلك فإن إنكيدو السومريّ لم يستطع اللحاق بركب الحضارة لكنّه تمكّن من البقاء “مقبولًا على هامشها”. في حين أنّ قيام الإمبراطوريّة الأكاديّة المركزيّة أجبر “الرعاة والرحّل” على أن يكونوا مقبولين “كقوة عمل”، لأن نشأة الإمبراطوريّة تستلزم موارد أكثر وقوة عاملة أكبر. وهكذا، “استبعدت هذه الدولة ولفظت تدريجيًا الأشكال الأخرى من الحياة مثل الرعي والصيد والجمع، حتى أصبحت تلك صنوًا للبربريّة وتمثّل خطرًا على الحضارة”


يحضر إنكيدو في الرواية الأكاديّة بصفته “جنسًا أدنى من البشر، يعيش في مملكة الحيوان التي تقع خارج الأسوار” حيث “توارت لحظة التعايش بين نمطيّ الرعي والزراعة تدريجيًّا التي كانت واضحة في حضارة سومر، بعد ظهور الدولة المركزيّة…لفظت الدولة الأكاديّة إنكيدو إذن إلى الخارج، بعد أن كان يمثّل في مرحلة سابقة نمط حياة مختلفًا لكنه مقبول. وماذا يوجد في الخارج؟ الحيوانات البريّة… الآخر المرفوض يُنفى إلى عالم الحيوان، ثمّ يُستحضَر من هناك بعد أن تتمّ أنسنته”


نتابع الرجل والمرأة  في نمط الحياة المتمثّل بالصيد وجمع ما كان على شكل محدّد  لتحويله إلى ما يُنتفَع به على نحوٍ آخر، ثمّ يبدآن بالاستسلام والتأقلم معًا إلى الحياة الجديدة في انتظار المولود. لا تفعل المرأة شيئًا  في البريّة سوى الأكل والراحة، باستثناء رحلات التجوّل مع الرجل وجمع ما يُمكّنهما من صناعة قارب للانتقال إلى “الجانب الآخر”، لا يبدو أنّها قويّة وقادرة على الحركة والعمل. أمّا الرجل الذي تقدّمها في العودة إلى هذا النمط من الحياة في الطبيعة فيبدو أكثر قدرة على القيام بدوره المنوط به من رعاية وحماية. 

يقتحم عنصر اللامألوف والفظيع فجأة حياة المرأة المُستلقية باستسلام في الغابة بمشاهد مصنوعة بركاكة وتعجّل. في محاولة لاستعادة الميثولوجيا القديمة في قصّة الخلق، يظهر باب ضخم أمام المرأة في وسط الغابة، ويباغتها من الخلف ثعبان سامّ يسعى إلى الاعتداء عليها. في مشهد محموم ومسموم، يُحاكي الهبوط من الجنّة واليقظة إلى الواقع الجديد، يحاول الرجل أن يبحث عن ترياق لإنقاذ المرأة وجنينها المرتقَب. تمثّل هذه المشاهد المُكثّفة الصراع الأزليّ للإنسان مع الطبيعة، وتوظيفه الفطرة للنجاة من الخطر، لكنّها تبدو أكثر ضياعًا وتخبّطًا عند الاثنين. فما العمل حين تتعطّل الفطرة بعد أن عبثت الحضارة بها طويلًا؟

ما يتلو عمليّة الولادة، عسر في نزول الحليب من الأمّ المذعورة، يتبعه مشهد أخّاذ للرجل والحليب يتسرّب من خلف قميصه، في حين تغادره المرأة مُتنصّلةً من دورٍ لا قدرة لها على تأديته، مُخلّفةً عبء رعاية الطفل إلى الرجل؛ هذا الوحش الهشّ الخائف الذي لا يملك إلا  أن يقرّب الطفل من صدره، ويُرضعه حليب العجز في مشهد مأساوي.

أعتقد أنّ الفيلم لا بأس به من حيث الفكرة، لكّن يبدو واضحًا أنّ هناك العديد من المشاهد المصنوعة بركاكة، وتُقحَم على نحوٍ لا يميّز بين ترك المساحة للمشاهدة والقراءة الحرّة وبين الإقحام المُتعجّل لمشاهد صُنعَت كيفما اتفق

ثمّة أسئلة كثيرة تركتها نهاية الفيلم المفتوحة في رأسي: هل تنجح محاولاتنا الهشّة في العودة إلى الطبيعة بعد أن نالت الحضارة منّا وعبثت في بيولوجيّتنا حينًا من الدهر؟ ماذا بعد أن خرّبتنا الحداثة؟ هل علينا أن نعيد النظر في رغبة الاستسلام والتعايش والتصالح مع الواقع المستحدث؟ أم نتابع لعبة الغُمّيضة، ونحن نعبّر عن رغبتنا في العودة إلى “بيولوجيا” مشوّهة؟ ثمّ نتظاهر بأنها محضُ “طبيعةٍ” تأخذ مجراها؟