أدب الخيال البترولي وآبارٌ لا قيعان لها: رواية “العِلمويّ” لمرتضى كزار


نُشِرَ هذا المقال مُسبقًا في مجلّة الفراتس
لقراءة المقال كاملًا هنا


بينما كانت ظُلَل حرب الخليج الثانية تمطر العالم بسَواد غَمامها، كَتَبَ الروائيُّ الهندي البنغاليّ أميتاف غوش سنة 1992 مراجعةً لجزئي “التيه” و”الأخدود” من خماسية “مدن الملح” لعبدالرحمن منيف، تقفّى فيها أثر رائحة السائل النفطيّ “الكريهة” التي لم تكن قد سربت إلى المخيّلة الأدبيّة مُتسائلاً عن فترة من تاريخ النفط مُثقَلة بالتسلّط والاستعباد والاستعمار والاستغلال البشري والاستنزاف البيئي وكل ما أعرض الأدب العالمي بلغاته عن الاشتباك مع تفاصيله اشتباكاً عميقاً. يُسائل غوش أسباب ردع المخيال الأدبي عن المساس بهذا السائل المُقدّس الذي تَنفطه الأرض في مشهد سريّ أقرب إلى المشاهد الماجنة، إذ تُفرَض عليه رقابة منظومة شركات النفط الغربية الصارمة، بينما تشدّ على يدها الرقابة العربية

يعتقد غوش أنّ ما كتبه عبد الرحمن منيف عملٌ مهمّ جداً على تجاهله عدداً من العناصر التي تزخر بها ممالك النفط مثل تمازج اللهجات واللغات والثقافات. هذا الثراء الثقافي يتحدّى قالب الكتابة عن هذه الدول، ويتحدى بِعُجمته وغرابته وثقافته الهجينة أيّ تعريفٍ مُحدَّدٍ وموحّد للهويّة القوميّة الحديثة. وتكمن المفارقة في أنّ هذا العالم النفطيّ السريّ المنحدر بنا بسرعة إلى العالم التقني كما نعهده اليوم هو أبعد ما يكون عن “نظرة الثقافة المعولمة المعاصرة”، وهو أقرب إلى “العصور الوسطى” كما يشير غوش، فنحن “لا نملك الشكل الذي يقوى على منح الاشتباك مع النفط التعبيرَ الأدبيّ المستحق بعد”. من الواضح هنا أنّ الأسلوب الأدبيّ الهجين الذي نفتقر إليه لتوسيع أفق المخيال النفطي لن يشتبك مع النفط اشتباكاً مبتكراً بتجاوز حدود الهويّة القوميّة، إنّما بتجاوز الحدود الفاصلة بين العلم والأدب. فالاشتباك مع عوالم ما وراء النفط لن يكونَ بمعزل عن الإلمام أو الاطّلاع العلميّ على ماهيّة النفط وآليّات استخراجه. إذ ليست محض صدفة أنّ عبد الرحمن منيف كان خبيراً اقتصادياً مُتخصّصاً في اقتصاديّات النفط، وقد رَأس مدةً تحرير مجلّة “النفط والتنمية” العراقيّة بين سنتي 1975 و1981

لكنّ الفراغ الأدبيّ الذي خلّفته الخماسيّة في أدب المدينة النفطيّة يدعو إلى التساؤل. فهل يُعقَل ألّا يوسّع أيُّ مشروع روائي أُفُقَ المِخيال البتروليّ ويبحث في عواقب البيئة النفطيّة بعد خماسيّة منيف المنشورة سنة 1984، لا سيما أن الدول العربية المنتجة للنفط قد شهدت منذ ذلك الوقت توسعاً عمرانياً ونمواً اقتصادياً وتغييرات اجتماعية كبيرة. ثم كيف لسرديّات المدينة العربيّة في اصطدامها مع مآلات الحداثة المتسارعة ألّا تجرؤ على الاقتراب من عوالم النفط السريّة بعد، أي أن تغوص في تفاصيل استخراج النفط

بعد سنواتٍ طويلةٍ من العمل مهندساً في حقول النفط في البصرة جنوب العراق، التقط الكاتب والمخرج السينمائي ورسّام الكاريكاتير العراقي مرتضى كزار الخيطَ الرفيع الذي يفصل العلم عن الأدب، فاستعمله لرَتق بعض الفراغات في السرديّة النفطية العربيّة في روايته “العِلمويّ” الصادرة سنة 2019. يعثر كزار باستدعائه بعض عناصر أدب الخيال العلمي وعناصر الخيال الخارج عن المألوف على بعض الأدوات الأدبية التجريبيّة اللازمة للحفر عميقاً في آبار النفط واختراق طبقات الأرض العازلة جماليّات علوم الأرض طويلاً عن جماليّات الأدب. تمثل رواية “العلموي” اشتباكاً متأخراً، مع أنه مباشر، مع النفط في الأدب العربي، فهي بتصوراتها الخيالية وغير المنطقية والمرعبة أنموذجٌ مبتكرٌ يجمع بين العلم والأدب، محققة بذلك الاشتباك مع النفط والغوص في بعض خفايا البيئة النفطيّة العربيّة