مُذكّرات من السفر: الرقص في العتمة

Izmir, Summer 2022





نعيقُ النوارس ينفذُ من الشرفة المفتوحة على الصالون، يأتي تِباعًا تِباعًا، يُلحّ فلا يُمكنني تجاهله. كانت الوجوه تغرقُ في عتمة صمتها، تُضيء أحدها شاشة “الآيفون”، ولا يتحرّك في وجه آخر سوى عضلات الفمّ، أو عضلات الرقبة وهي تشدّ نظرها إلى السماء أو الأرض لا فرق. ينبعث صوت “فكري كيزلوك” وهو يغنّي أغنية تركية جميلة ” بو قلب سني أنوتور مو”؟ كيف لهذا القلبِ أن ينساكِ؟

لا أتكلّم التركيّة، لا يتكلّمون العربية، أحدهم يُجيد الإنجليزيّة ويُترجم كلامي للبقيّة. الغروب ونسيم الصيف البارد، والشاي التركي يغلي، تدور الكؤوس الصغيرة ذات الخصر الدقيق بيننا

الليل يهبطُ ببطء، مدينة إزمير التي تخطف القلبَ على خاصرة بحر “إيجة”، والنجوم الصغيرة المتراميّة تحبُّ أن تضيع في سماء ساهمة

أحدهم يسمع صوتي بالإنجليزيّة، فيسأل صديقه بالتركية: هل هذا جمالُ اللغة الإنجليزيّة؟ أم جمال صوتها؟ يحثّني أحدهم أن أقول شيئًا بالعربية حتى يعرفوا مصدر الصوت المُنبعث. أقول: هذا صوتي بالعربيّة أيضًا

لا أحدَ يُعلّق على جمال اللغة العربية


***


أرقص في خيالي رقصًا شرقيًا على ألحان أم كلثوم

تمرُّ في جسدي ألفُ ليلةٍ وليلة

وأتساءل في كلّ مرة: ما هو سرّ الخصر الشرقيّ؟ والالتفافُ حولّ النفس بصوفيّة؟ وامتداد الأيدي يُمنةً ويسرة، ورجوع الرأس إلى الخلف، والهبوط فجأة إلى الأسفل والصعود البطيء نحو الأعلى؟

مأساةٌ شرقيّة

ما أقبحني حين أستشرقُ بنفسي

نعيقُ النوارس يطغى على صوت أم كلثوم في رأسي. يغطِسُ نورسٌ في البحر ويشربُ من مائه المالح. أعودُ بصمتٍ  لمقعدي في الشرفة على الأرض. تخفت الأضواء. يعودون للكلام بالتركية. لا أحدَ مهتمٌ بالترجمة منّي وإليّ الآن. تفرغ كؤوس الشاي. تستأذن ضيفة في الذهاب إلى النوم، يتبعها صديقها، تُلملِم المُضيفة الأطباق الفارغة، يستأذن البقيّة، تفرغ الشرفة

أظلّ وحدي
نسيم الليلِ الباردِ يعبث بخصل شعري التي التصقت برقبتي
أشعرُ بالبرد فجأة
الفراغ يصفر بي كأنّني مِزمار صحراوي- بحري
القمر يدلقُ ضياءَه على وجهي
لا شرقيّة ولا غربيّة
راقصةٌ مُنفردة في عتمة الكون الباهرة