
ساعتان على متن القطار من لندن إلى شرق ساسيكس، أمضيتهما حتى بلغت قرية بريطانية منكفئة على نفسها تُدعى <لويس>، ومنها إلى قرية <رودميل> حيث يقبع “المونك هاوس”- بيت الكاتبة البريطانية فيرجينيا وولف. ألفة القرى، ولهفة الغرباء لمساعدة غريبة تحمل خريطة وتبحث عن حافلة لا تأتي إلا كلّ ساعتين، هو ما يعمّق إحساسي أنّ لندن صارت بعيدة جدًا، حدًا لا يسمح لعدائيّتها الكوزموبوليتانيّة أن تُفسد نهارًا صيفيًا مُشمسًا في بلادٍ علاقتها بالشمس مزاجيّة كافرة
أرشدني رجلٌ عجوز إلى موقف الحافلة التي ستقلّني إلى “المونك هاوس” حيث كتبت فرجينيا وولف أجمل رواياتها وقضت آخر أعوامها. صار البيت متحفًا مفتوحًا للزوّار. ليست عدوانيّة الفضول مبرّرًا، لكنّ طمع القارئة-الكاتبة في داخلي استولى عليّ
تسكّعت قليلًا في قرية لويس في انتظار الحافلة، اشتريت خبزًا طازجًا من مخبز صغير قرب المحطّة، وتمشيّت وأنا أتفرّج على الأبواب والبيوت القروية اللطيفة، إلى أن اهتديت لمحلّ أنتيكا صغير. مرّ الوقت سريعًا في الداخل، ثم عدت إلى محطّة الحافلة وقد نفد صبري وازداد انقباض صدري وأنا أحسّ أن الزيارة التي انتظرتها طويلًا، لا يفصلني عنها سوى عشر دقائق فقط

قطعت حقلًا زراعيًا بعد أن نزلت من الحافلة، ومشيت باتجاه الشارع الذي يفضي إلى “المونك هاوس”. تخيّلت مسار فرجينيا وولف وهي تعود إلى بيتها عبر هذا الطريق، تصل بيتها تفتح الباب الخشبيّ الصغير: دخلتُ وبدأت حفلة توتّر صغيرة في يديّ ورأسي، كنت أحاول أن أتجاهل وجود الزوّار الآخرين، في رأسي تخيّلت البيت مفتوحًا لي وحدي

تجوّلت في غرفة الجلوس، ثمّ دلفت إلى غرفتها. سرير ومدفأة تعلوها التحف الصغيرة، بعض الكتب. إلى يمين الغرفة قرب النافذة، كانت هناك مكتبة تضمّ كل مؤلفات شكسبير، جلست بجوارها شابّة جميلة لها جديلة أزاحتها على كتفها اليمين، تقرأ

عندما لم أتمالك نفسي أمام المكتبة الصغيرة، أخبرتني الشابة الجميلة أنّ فرجينيا غلّفت مؤلّفات شكسبير بنفسها. أدركت أن الشابة تعمل هناك، فأخبرتها أنها محظوظة لتعمل كل يوم في بيت فرجينيا، فهزّت رأسها بابتسامة ساحرة. أخبرتها أنني ما زلت لا أصدّق تجربتي بالمجيء إلى هنا بعد أن انتظرتها طويلًا، وأن الغرفة تبدو كما لو أن فرجينيا ما زالت في المكان. قالت لي: الزمن سورياليٌ حقًا في هذا البيت

خرجت من البيت إلى الحديقة الخلفية، وتبعت الخطوات الحجرية فوق العشب لأصل إلى غرفة المكتب، حيث كانت فرجينيا تأخذ فنجان الشاي وتكتب. كنت أعلم أنّني في قمّة لحظاتي الميلودراميّة حين دخلت المكتب، ورأيت جدرانه تغطّيها صفحات متفرّقة اقتطعت من رواياتها. لا أتخيّل أن وولف كانت لتتحمّل هذا الديكور المبتذل، ولا أنّ شابّة غريبة مثلي واقفة تبكي بسذاجة في غرفة مكتبها

تجوّلت قليلًا في الحديقة، قبل أن أغادر البيت وأتّجه إلى متجر الهدايا المُخصّص لبيع كلّ ما يتعلّق بوولف من كتب وأكواب وصور وبطاقات بريدية ودبابيس وحقائب، وكلّ ما يمكن أن يشتهيه قلب الهواة، ويرضي الفيتش الاستهلاكي التملّكي الصغير في دواخلهم

وأنا كذلك اشتريتُ دبّوسًا صغيرًا كُتبت عليه عبارة
Thinking Is My Fighting
مُقتبسة من مقال فرجينيا وولف الشهير
Thoughts on Peace in an Air Raid
صحيح! عبارة مبتذلة ودبوس أكثر ابتذالًا، لكن ليس لمدمني التفكير مثلي، حين ما يكون عقلي ساحة حرب، أليس من الأفضل أن أفكّر بأن التفكير نضالي؟
لكن نضالٌ ضدّ من؟ لربّما ضدّ نفسي…

لم تنتهِ الزيارة. لم تبدأ بعد. لم آتِ لزيارة البيت. كان ممرّ طريق. وجهتي الأساسيّة هي النهر. النهر الذي أغرقت فيه فرجينيا وولف نفسها. النهر الذي ابتلع كل هذا. عندما خرجت من المتجر الصغير، كانت السماء قد أظلمت بغيوم سوداء. كان أمامي وقتٌ محدود لرؤية النهر والعودة بسرعة للحاق بالحافلة الأخيرة، وإلا علقت في القرية وحدي
مشيت، ومشيت. كانت المسافة الفاصلة بين البيت والنهر طويلة. مسافة كافية لتغيّر المرأة التي تنوي الانتحار رأيها ألف مرةٍ قبل أن تصل
لا شكّ أن رغبتها في الموت كانت أكثر إلحاحًا من أي شيء آخر
المسافة طويلة وثقيلة، والجو كئيب. أصل النهر وأقف. أشعر بالذعر. ما كان عليّ أن آتي إلى هنا. أظلّ عالقة أمام النهر الجاري. لا أستطيع أن أتحرّك. كانت روحها الغارقة تتلبّس المكان

لا سلام ولا سلام
صوت بعض المُتنزّهين أنبهني أنّني ظللت واقفة لوقت طويل في ذلك الفراغ النهري، وفوّتت على نفسي اللحاق بالحافلة الأخيرة
عرضوا علي أن أرافقهم الطريق، فهم عائدون إلى القرية. مشيت معهم، مشيت دون أن أتأكد أنّني ما زلت أمشي
ظللت أفكّر طوال الطريق، كيف أنّ مجيئهم أنقذني… أيقظني، حين كان سحر فرجينيا وولف والنهر المتدفّق قد بدأ يستولي عليّ ويسحبني
لكنّ صوت الحياة في الآخرين انتشلني من مصير كان ينتظرني. فتأكدت حينها ممّا قالته فرجينيا وولف، وكأنّها تخاطبني به أنا تحديدًا
You cannot find peace by avoiding life


You must be logged in to post a comment.