الفيلم الوثائقي “إسرائيلزم”:  تورُّم مخيال الدولة القومية أو كيف تخترع شعوبًا مترهّلة البداهة؟





” في متحف إسرائيل، زرنا معرضًا لرسومات ولوحات أطفال من مختلف أنحاء العالم. طُلب من الأطفال أن يُصوّروا القدس في رسوماتهم، وقد استمتعنا بالصور البريئة التي أنتجتها ألوانهم المائية وأقلام الرصاص الملوّنة: صور جمال، ومزارعين بالقفطانات السوداء وتنانير القشّ. كانت صورًا توراتيّة، وزراعيّة، ورعويّة، وحتى إفريقيّة حد أنه لا رابط بينها وبين أي شيء قد رسمناه، وعرفناه من خلال تجربتنا في القدس الحقيقيّة، حيث عشنا وذهبنا إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى المعرض المشار إليه في متحف إسرائيل”


أطفال العالم
من المجموعة القصصيّة “أراضٍ للتنزّه“، عوز شيلاح، ترجمة عبد الرحيم الشيخ


شاهدت مؤخرًا على منصّة “موبي” الفيلم الوثائقي ” إسراييلزم” أو “الأسْرَلة” الذي صدر مطلع عام ٢٠٢٣، أي قبل أحداث حرب الإبادة في غزة. اختيار الكتابة عن هذا الفيلم الوثائقي لا يندرج تحت مسمّيات جاهزة مثل “اعرف عدوّك”، أو دعمًا لمبادىء وشعارات وردية بائدة على شاكلة التضامن والسلام والعدالة. ما دفعني للكتابة عن هذا الفيلم الوثائقي هو أنّه يشكل في نظري  مادة زخمة جامعة للكثير من الجدالات والشعارات والأصوات الترندية التي اجتاحت الانترنت منذ بدء الإبادة الجماعية على غزة.

يبدأ الفيلم عندما يقرر ناشطان أمريكيان يهوديّان توثيق رحلتهما التي بدأت حوالي عام ٢٠١٦ لاختراق فقاعة الوهم الحالمة والخادعة  في الحب والانتماء لدولة إسرائيل. يمكن اعتبار رحلة الفيلم الوثائقي بمثابة المسيرة النمطية التي يتعلّم كل أطفال العالم عبرها معنى وطن ودولة وعلم وجيش وحب وانتماء أعمى تمامًا كما يُلقّنون تعاليم الأدلجة والانتماء إلى جماعة إثنية أو دينية أو قبليّة في أي بقعة جغرافية مُتخيّلة في العالم. كل الأمر أن علاقة الانتماء الاعتباطيّة هذه جاءت متورّمة أكثر من اللازم في مخيال دولة عاهرة ومغرقة في الكذب والفبركة مثل “إسرائيل”، لكنّ الواقع يقتضي إننا جميعنا خضعنا في مراحل الطفولة المدرسية لعمليات التدجين القومي القائمة على ما “يُحكى” لنا من أكاذيب عن الوطن والدولة، ثم ما نتعرض له لاحقًا من أزمات ناجمة عن التصديق أو حتى التكذيب لعملية التلقين والتدجين السابقة.

يتتبّع الفيلم الوثائقي حياة شاب وشابة من اليهود الأمريكيين، وما تعلّموه من حقائق عن إسرائيل، تغذي المخيال الجمعي وتوّحد مفاهيم مثل الفخر والانتماء وخدمة الوطن والدفاع عن الأرض. يبدأ الصراع عند اصطدام المفاهيم النظرية بالتطبيق العملي، والذهاب الفعلي إلى “الأرض” والاضطرار للتعامل مع الآخر/ العدو الفلسطيني الذي يُعتبرفي نظرهم ضرورة لتحديد مفهوم الأنا والهوية الإسرائيلية. وهكذا يبدو بديهيًا التعامل مع كل المعطيات والمسلّمات الوطنيّة التلقينيّة رغم كل الصراعات والأسئلة “الأخلاقية” التي يواجهه المُجنّد أو المُجندة في ترهيب وقتل الأطفال والمدنيين العُزّل.

قد يوحي الفيلم الوثائقي بأنه محض عملية إقحام أخرى لأصوات جنود صهاينة يكويهم الإحساس بالذنب، إلى جانب أصوات متعاطفة من اليهود في الغرب وإسرائيل، رغبةً في مزاحمة سردية الضحية، وتشتيت الأضواء عنها، إلا أن القضية التي أسعى لطرحها هنا لا تتعلّق بقضايا التعاطف والإحساس بالذنب من عدمها بالأساس، ولا تنحصر بثنائية الضحيّة والجلاد. القضية التي لم يطرحها الفيلم بشكل مباشر، ولكن يمكن استنتاجها بعد التأمل هي الخطر الكامن في تشكل مخيال الدولة القومية منذ الطفولة، وعملية تغذيته وتضخيمه طوال سنوات النضج بناءً على تبريرات يُعاد نسخها وتدويرها وترسيخها مرارًا عبر الاستعانة برموز مُتخيّلة حول الدولة والعلم والوطن والهوية،  وحتى المواطن الجيّد الخيّر الذي يلبي نداء القومية ويضحي بنفسه من أجل خدمة الوطن، إلى أن تتضخّم المخيّلة الجمعيّة بمفاهيم عنصرية مسرطنة، تستمد وجودها المخزي من مبدأ: هذا ما علّمونا إياه  منذ الطفولة عن معنى الأرض والوطن.

تضحي كل مواقف الاصطدام بالواقع وما يتعارض ويزعزع المبادىء الوطنية الراسخة إما دافعًا للتمسّك الأعمى بالقصة الخيالية الطفوليّة  الورديّة التي جرى تلقينها في البداية لتجنّب أي مأزق وجودي محتمل جراء التخلي عنها، أو دافعًا مغايرًا للانفتاح والوعي بمسؤولية تغيير المسار التلقيني، والبحث عن أجوبة للأسئلة التي لا يُسمح لأي فرد فُرض عليه الانتماء الأعمى لجماعة ما أن يطرحها.

يركّز الفيلم الوثائقي على أصوات اليهود الأمريكيين الذين انضمّوا إلى حركات التضامن مع الفلسطينيين والسعي إلى السلام بعيدًا عن مساعي التصهين والأسرلة الحربية. إلا أن ما حدث بعد السابع من أكتوبر أجبر الكثيرين في دول العالم الغربي وخاصة الأمريكيين على الانضمام لسرب تريندي جديد يدعي تعميق التجربة باعتبارها  “صحوة روحانية”. لكن، بدت بعض هذه التجارب متطرّفة ومسطّحة الأبعاد، مثل فيديوهات الأمريكيات اللاتي قرّرن فجأة إعادة قراءة رسالة بن لادن واكتشاف “الجانب المشرق المُغيّب” من الإسلام بما يخدم مانوية الخطاب الديني على نحو أخطر من الجهل الذي كان يسبقه! ناهيك عن كثير من الأصوات الببغاوية التي أخذت تردّد شعارات كبيرة جوفاء لا تدرك بالضبط أبعادها أو الحد الأدنى لتحقيقها.

يعرض الفيلم الوثائقي، على سبيل المثال، مقطعًا من حوار في نشرة أخبار أمريكية، حيث تسأل مذيعة أمريكية ضيفتها عمّا تقترحه من حل بعد أن استنكرت الأخيرة  استمرار كل هذه العقود من القمع والإنكار للوجود الفلسطيني، فتجيب بابتسامةٍ ساذجة: أقترح الحريّة! ما يدفعني للتساؤل بحق: هل تعقل  هذه الأصوات الصادحة في أنحاء العالم ما معنى “تحرير” فلسطين فعلًا؟ هل تعلم حقًا ما الذي يجب أن نحرّر عقولنا منه قبل أن نطالب بالحرية لأي شعب كان في هذا العالم؟

كما يعرض الفيلم مقاطع من مقابلة مع المحامي والناشط الأمريكي الصهيوني أبراهام فوكسمان الذي يصف أصوات الأمريكيين اليهود الداعمة للسلام والتضامن مع فلسطين بالسذاجة والهامشيّة، ويوضّح أن الأمر منوط “بالإسرائيليين” وحدهم طالما كان هناك تهديد لوجودهم، “يمكننا أن نؤجّل هذا الجدال الفلسفي حول الاحتلال والمستوطنات والسلام إلى وقت آخر”. كلامه هذا لا يعطي أولويّة وهميّة إلى “المواطن الإسرائيلي” الذي يخدم فكرة قوميّة الدولة عوضًا عن ذاك المكتفي بإثنيته أو ديانته مثل “يهود الشتات” فحسب، بل يؤكّد مجدّدًا على أن رسم الحدود القومية هي أهم وسيلة عسكرية لتبرير غاية الدولة القومية، والإطاحة بأي جدال فلسفي قد يشكّك بضرورة وجودها من عدميّتها. 

ينزع الفيلم إلى تصوير قضية التضامن اليهودي مع الفلسطيني على أنها محض صراع أجيال بين اليهود الشباب والعجزة، كأن الأمر محض تفاوت وجهات نظر طبيعي وليس صراع تكرّر على مر التاريخ، متمثّلًا  بعقلية الأفراد الذين لطالما تمرّدوا على أوهام الانتماء الأعمى للجماعة والانصياع والطاعة لمبادىء “الباكيج” العِرقي أو الديني أو القَبلي. وفي محاولة لجلد الذات الأخلاقية التنويرية، يبرّر فوكسمان ظاهرة تعالي أصوات اليهود الأمريكيين المتضامنة مع الفلسطينيين بأنها ترجع إلى فشل الجيل الأكبر “بتعليم” وتنوير الجيل الأصغر وترسيخ مبادىء الدرس القومي كما يقتضي لها أن تكون. فيما نرى كيف تُتّهم الناشطة الأمريكية اليهودية الداعمة لحقوق الفلسطينيين بأنها “كارهة لذاتها اليهوديّة”، وبوجود “يهود مثلها” كما تصلها رسائل التهديد عبر السوشال ميديا “لا حاجة لهم بالعرب الجاهلين والعنصريين”  كمبرّر لوجود دولة تقوم هويتها في الجوهر على مبدأ الضد أو الحماية من أي خطر محتمل.

إلا أن ما يكشفه الفيلم وراء مشاهد التنظيمات الحركية والتضامنية البريئة والمسالمة هو آخر مراحل تفسّخ جثّة الحلم الأمريكي القائمة طويلًا على وهم “التعدّدية العرقيّة والدينية” أو ظاهرة الكوكتيل الثقافي التي افتخروا بها طويلًا تحت مسمّى “الملتي-كلتشريزم” إلى أن آن الأوان لانفثائها من تحت جلودهم. تستهجن الشابة الناشطة ما تدعيه السياسة الأمريكية ” أن حماية اليهود في أمريكا هي عبر حماية إسرائيل”، وهذا ما يمثّل فشل المشروع القومي الأمريكي في حماية المواطن اليهودي دون السعي إلى صهينته ثم أسرلته. كما أنّ ما تشهده هذه الامبراطورية الإلهية المزعومة حاليًا هو عملية تحوير لمصطلحات تاريخيّة حُفرت عميقًا في الوعي الغربي، ومَأسَسَت لهرطقات المنظّمات الدولية الحقوقية بعد الحرب العالمية الثانية؛ مثل “معاداة السامية” في حلّته الجديدة،  حيث لم تعد مضطرة للتقيّد والالتفاف على الحدود الإثنية أو الدينية المفبركة، طالما صار ممكنًا القفز مباشرةً إلى فضاء المخيال القومي، وتحويل خلايا” الآنتي سيمتزيم” ذات الأورام الكامنة إلى ورم خبيث تفشّى في مراحله الأخيرة على هيئة سرطان “الإسرائيلزم”