مُذكّرات من السفر: بداهة العصيان في الرقص المنفرد

 Lubiąż, Summer 2018





اقتحمت ورشة بولنديّة لتعلّم الرقص المُعاصر خلال صيف التسكّع العشوائي البوهيمي الذي قضيته في عدّة مدن أوروبيّة عام ٢٠١٨. اقتحمت الورشة بثقة وأنا مُتأخّرة. أعوّل على إتقاني للغة الرقص والجسد عوضًا عن اللغة البولنديّة

كنت أعلم أنّ أكثر ما يعيق انطلاقي في الحياة هو سوء تقديري الدائم للتوقيت المناسب. إمّا أن أصل مُبكّرةً فأنتظر كمذنبة وراء أبواب لم يئن أوانها بعد، أو أكتشف أنّني تأخرت كثيرًا في المجيء، فيما كنت أظنّ غافلةً أنّني وصلت في الوقت المناسب

ينحنون فأنحني، يتمسّحون بالأرض فأتمسّح بالأرض، ينهضون فأنهض، يتكلّمون فأصمت، يصمتون فأصمت

وحين جاء الوقت في ختام الورشة لنطبّق ما تعلّمناه من تقنيات رقص “مُعاصرة”، أزاحتنا المُدرّبة جميعًا حاشدةً إيّانا كالقطيع في الجهة اليسرى من القاعة. كان علينا أن نقطع الطريق من اليسار إلى اليمين، بقفزاتٍ مُتباعدة بين الساقين كأنّنا نُحلّق،  تتزامن مع تقنيات تحريك اليدين بخفّة كالتي تعلّمناها. فهمت أنّ ذلك  هو المطلوب بعد أن راقبتُ أول راقص ينبثق من يمين الجمع مُحلّقًا نحو الجهة الأخرى

كنتُ في منتصف الحشد، بدا من الواضح أنّ علينا أن ننطلق واحدًا/ واحدةً تلو الأخرى/ الآخر تمامًا كالبجع في بحيرة مُربّعة الجدران. لكنّني البجعة السوداء التي تظاهرت بأنّها لم تفهم التعليمات جيّدًا، فانطلقت راقصة في التوقيت المبكّر للتجربة. وكان أن تجاهلتني المُدرّبة تمامًا وعادت لمتابعة السير الخطيّ للبقيّة دون تعليق. كان تجاهلها هو الطريقة الفُضلى للتعامل مع تجاهلي لقواعد تسيير ورشات الرقص المعاصر، وعقابًا صامتًا لتسرّعي في الانطلاق قبل الأوان

Notting Hill Carnival, London, Summer 2018



 الرقص الحرّ لا ينبغي أن يُعلَّم. كانت الورشة تافهة. لم أدرك هذا إلا بعد أن أصبحت أمارس الرقص بحريّة كلّ ليلةٍ فوق سطح البيت حتى ساعات متأخرة من الليل تحت النجوم. أرقصُ كذلك على سجيّتي حين أقرّر أن أتجاهل قواعد الرقص الثنائيّ (البولرووم) التي تعلّمتها طويلًا دون أن أتمكّن من إتقانها كما يجب، لأنني الراقصة العاصية التي لا تبتهج بالرقص مع الآخر إلا حين تُفلت من الانضباط. تساءلت كثيرًا عن الغاية من قواعد الرقص الصارمة: هل خُلقَت لتنظيم الحركة بين الثنائي، أو لتقييدها؟ حين أرقص في حيّز مشتركٍ مع الآخر، ويرقصُ الآخر في هذا الحيّز معي، علينا أن نتبع قواعد مسبقة، حتى لا يتعدّى أحدنا على مساحة الآخر ربّما؟ لكنّنا نخطىء أحيانًا، ننسى أو نتناسى هذه القواعد الصارمة مهما بلغنا ذروة الاحتراف، يدوس أحدنا على قدم الآخر في لحظة غامرة فيعتذر. نبتسم بخجل. يُسامح كلّ واحدٍ منّا نفسه لأنّنا زللنا، وضللنا عن القاعدة ببساطة. كلّ ما في الأمر أنّنا نحاولُ أن ننسجم، ومن الطبيعي أن نتناغم أو نتناشز. أتسامح في النهاية مع كلّ من يدوس قدمي أو يدفعني أو يُسقطني أرضًا، وأتفهّمُ لأنّ مثيلاتي لم يُخلقنَ ببداهةٍ إلا للرقص المنفرد

Notting Hill Carnival, London, Summer 2018