https://drive.google.com/file/d/1A-5LFvFcSsZ6EGJXXQ0yW-yjRWHy44CG/view?usp=sharing
بعد أن أمضيتُ يومًا كاملًا أتجوّل بين عدّة حدائق وقصور ساحرة في مدينة بوتسدام-الواقعة جنوب غرب برلين- تجوّلتُ قليلًا في شوارع المدينة عند الغروب، لأطردَ البرد الهابِط مساءً بعد يوم شتويّ حائرٍ بين الشمس والغيم ورذاذ المطر الناعم. عثرتُ صدفةً وأنا أتسكّع بلا غاية على محلّ أنتيكا صغير خافت الإضاءة في قلب العتمة، فدخلتُ على عجل وأنا أعدّ نفسي مُسبقًا إلى أنّ المحل سيغلق أبوابه قريبًا
وبعد اصطدام الباب بالجرس، أطلّ عليّ رأس رجلٍ عجوز من غرفةٍ داخليّة للغرفة المعروضة، ورحّب بي بحماسةٍ غير متوقّعة في هذا الوقت المُتأخّر. دفءٌ هو الترحيب في جو شتويّ قاسٍ، وسرعان ما أدركتُ أنّ هذا العجوز هو فرصتي لممارسة لغتي الألمانيّة الصدئة والمُتعثّرة ليس لأنه لا يُجيد الإنجليزيّة فحسب، وإنّما للبطء الذي يحدّثني به، بعيدًا عن استعجال الشابات والشّبان ممّن يتقنون الإنجليزية في برلين المصروعة. أخذ صاحب محلّ الأنتيكا العجوز يجول بي ويعرِضُ مقتنياته عليّ فخورًا بها كأنه طفلٌ صغير، وحين سألته إن كان بإمكاني أن ألتقط صورةً لإحدى اللوحات الفنيّة المعروضة، رفض مُتذرّعًا بأنها قطعة أصليّة، ولا يُريد أن يرى منها نُسخةً على “السوشال ميديا”، وإن كانت هذه النسخة محض صورة! فما كان منّي إلا أن ابتسمتُ في جه العجوز الأصيل، وحسدته بحقّ على هنائه في عالمه الأنتيكيّ الصغير
اشتريتُ ألبومًا صغيرًا جدًا من الصور القديمة بالأبيض والأسود لأحد قصور مدينة بوتسدام في الأربعينيات، وأهداني العجوز اللطيف بعد محادثةٍ بالعرض البطيء، تذكارًا صغيرًا: دبوّسًا فضيًّا لمدينة بوتسدام
خرجتُ أتابع تسكّعي في شوارع المدينة، إلى أن جذبني صوت العصافير في هدأة المساء، فتبعتها حتى اهتديتُ ببطء نحو حديقةٍ صغيرةٍ خالية، فيها بناءٌ قديمٌ مضاءٌ من الداخل، ذو قبّة زرقاء أنيقة. ارتكنتُ جالسةً على مقعدٍ خفيّ تحت شجرة، ورحتُ أقرأ قصيدة أحبّها لشاعري المُفضّل ريلكه، بألمانيّتي الركيكة
Wie soll ich meine Seele halten, daß
sie nicht an deine rührt? Wie soll ich sie
hinheben über dich zu anderen Dingen?
Ach gerne möchte ich sie bei irgendetwas
Verlorenem im Dunkel unterbringen
an einer fremden stillen Stelle, die
nicht weiter schwingt, wenn deine Tiefen schwingen.
Doch alles, was uns anrührt, dich und mich,
nimmt uns zusammen wie ein Bogenstrich,
die aus zwei Saiten eine Stimme zieht.
Auf welches Instrument sind wir gespannt?
Und welcher Geiger hat uns in der Hand?
O süßes Lied
من فرط محبّتي لهذه القصيدة، ترجمتها إلى العربية عندما عدتُ إلى البيت، فظلّ صداها الألماني عالقًا في ذاك المكان، فيما راح العربيّ يسكنني ويتردّدُ في ذاكرتي من حين لآخر
أنّى لي أن أحمل روحي
دون أن تلمس روحكِ؟
كيف لي أن أتسامى بعيدًا عنكِ
بأشياء أخرى؟
كم أشتهي أن أسكنَ فيكِ
كما يسكنُ شيءٌ ضائع في مكانٍ مُعتمٍ وهادىء
يخشعُ صمتًا كلّما تأرجحت
أعماقكِ
لكنّ كلّ ما يمسّني ويمسّكِ
يجمعنا معًا
كأنّنا كمانٌ ينبعثُ من وتريْه
لحنٌ واحدٌ
ما الآلةُ التي تعزفُ بهجتنا؟
مَن يعزفنا بين يديْه؟
آهٍ يا أغنيتي الحلوة
