مُذكّرات من السفر: جولة في عالم الفنّانة التونسيّة فريال الأخضر

مرسم الفنّانة التونسيّة فريال الأخضر، المرسى -شتاء ٢٠١٩



استقبلتنا  الفنانة والنحاتة التونسية فريال الأخضر بوجهها الناعم الصغير في مرسمها وبيتها الواقع في المرسى (أحد أحياء تونس الشمالية). وسرعان ما دخلتُ، حاولتُ سريعًا أن أبحث عن شبه بينها وبين أولئك النساء اللاتي ترسمهن، ذوات الضخامة والهيبة اللامتناهيتين والوجوه الدائرية الممتلئة، فلم أجد قاسمًا مشتركًا سوى ذاك السحر الأنثوي الطاغي بغض النظر عن حجمه وهيئته. انزلقت  فريال الجميلة إلى الداخل بسرعة وخجل بعد أن سألت بلهجتها التونسيّة المحبّبة “ها نعملوا قهوة؟” فاستغليّت غيابها في المطبخ وانشغالها في الحديث مع صديقي وانطلقت لأستكشف عالمها الأنثويّ الغامض والرحيب


في مرسمها ذي الجدران الخضراء نشرت فريال نساءها  البيضاوات والسمراوات والحمراوات في كل ركن وزاوية. بعضهن منحوتاتٌ من الصلصال والأخريات من السراميك، وبعضهنّ مخيطاتٌ مُطَرَّزاتٌ من قماشٌ الكَنَب ومُجلّلاتٌ بأغطية الطاولات؛ تعابيرهنّ مُبهمة، واقفاتٌ بثباتٍ وثقة، أو مستلقياتٌ بغنجٍ ودلال، أو مُحلقّاتٌ بشيء من البله والحرية، أو جالساتٌ ساهماتٌ يُحدّقن بصمتٍ في تماهٍ مع جمود قطع الأثاث وألوانه المُزركشة والفجّة. أما الأخريات فكما عرفتهنّ قبل
زيارتي؛ مرسوماتٌ باستدارة وضخامة تفوق الإدراك

مرسم الفنّانة التونسيّة فريال الأخضر، المرسى- شتاء ٢٠١٩




بدانة  جسد الأنثى: مساحة خصبة شاسعة 

في الصالون حول فناجين القهوة المُذهّبة الجميلة، أخبرت فريال بلهفةٍ عن أول مرة رأيت فيها لوحاتها. كنت أتصفح الكتب في مكتبة صديقي في المرسى، وفتحت الكتالوج التي جمعت به أعمالها،  فأخذتني الصدفة إلى لوحة “القطة الصغيرة” وجلست أتفرج عليها مأخوذةً ما يُقارِب عدّة دقائق

امرأةٌ عريضة المنكبين، ممتلئةُ الأرداف، قدماها ضخمتان جدًا، ولا نستطيع أن نميّز بالضبط إن كانت مُبصرةً أم عمياء. أمّا الوردة التي تعلو رأسها فتبدو سخيفةً بحجمها المبالغ به، لكنّ وجود القطة الصغيرة في حضن المرأة وفي مركز اللوحة يمثل مصدر ضعف وقوة  في آن. إذا إنّ التناقض بين حجم المرأة والقطة، التداخل اللوني والتلاحم بين اليدين؛ بمثابة انسجام فطري بين سذاجة الأمومة والطفولة: الغريزة المُثقلة برغبة التسامي من خلال كائن حيّ أضأل منها
حجمًا وإدراكًا

Le Chaton, 2010/ Feryel Lakhdar



الواقع أنّ أسلوب فريال الأخضر في تشخيص نسائها يُذكّرني قليلًا بالفنّان الكولومبي فرناندو بوتيرو الذي يميل إلى التركيز على بدانة الهيكل البشري، كنوعٍ من خلق الجوع إلى المساحة والرغبة في تأكيدها، لا محض انعكاس لنمطٍ صحّي سيء، أو قباحة خالية من الجماليّة


تُؤاخي الأخضر بين المساحة البيتيّة وجسد المرأة، بحيث يتماهى ويتوحّد ويتمدّد معها دون أن تغفل عن إضفاء عناصر خارجة عن الجو البيتيّ الداخليّ، كإقحام درّاجة هوائيّة فات أوان تعلّم ركوبها، أو تُكوّر من الأيدي كراتٍ صغيرة لم يعد متاحًا للنساء اللعب بها. أخبرتني الأخضر أنّها عندما تزوّجت في عمر الثلاثين، شعرت أنّها خسرت شيئًا من طفولتها، فأخذت تُفكّر في كلّ تلك العناصر الطفوليّة التي يُمكن إضفاؤها على حياة امرأة بالغة، للتمسّك بأحلامٍ فات أوان تحقيقها.

وعندما سألتُ عن مبالغتها في تزيين شخصيّاتها قالت إنّ كلّ امرأة تتباهى بالزينة وتُحاول أن تُميّز نفسها بالتركيز على شيءّ مُعيّن، ومن هنا فإن تضخيم عناصر الزينة، سواء أكانت من زهر النوّار فوق الرأس، أو قِطع الُحليّ الكبيرة، أو الأحذية الضخمة، أو مساحيق التجميل المُبالغ بها، أو ألوان الملابس والمناديل المُزركشة، يُمثّل إحلالًا لأنا المرأة التي تشعر بقيمة ذاتها من خلال الزينة، فيما تتلاشى الذات الحقيقيّة ويخبو الوهج الطبيعيّ وراءها

ولكن، أين الرجالُ من رسوماتكِ يا فريال؟ سألتها، فقالت إّنها رسمت رجلًا واحدًا في لوحة “العريس”، هذا المشهد الذي استفزّها من عرسٍ غير مُختلط، يدخلُ فيه رجلٌ واحدٌ إلى قاعة النساء ليرقص مع عروسته. شرحت لي كم تشعرُ بالأسف عليه من موقف لا يُحسَد عليه؛ مُحاطًا بكلّ أولئك النساء اللواتي يُراقبنه دفعةً واحدة



وحين سألتها: لماذا تُلبسين المرأة أقمشةً مُزركشةً قبيحةً كأنّها قطعة أثاث منزليّة؟ فضَحِكت بنعومةٍ وأخبرتني أنّ منطق النساء في شراء ملابس جميلة وأنيقة دائمًا ما يبعث الحيرة، فهنّ لا يلبسنها داخل البيت لأنها ليست مريحة، هي ملابس ضيّقة وثقيلة وضاغطة مُعدّة للاستعراض والإغراء الخارجيّ، أمّا البيت فهو مُتاحٌ لكلّ هذه الملابس المريحة كالبيجاما والفساتين الخفيفة والعباءات الفضفاضة، لكنّ المرأة التي تعمل طوال النهار في الخارج، لا تملك رفاهيّة التمدّد والاستلقاء واراتداء الراحة
وهي برسوماتها تخلقُ مساحةً بديلةً لتصوّر ذلك


أما عن لوحة كعك وَرْقة (كعك تونسي يُصنع من دقيق اللوز المطحون)، قالت لي فريال إن أبهى ما صنعه التوانسة هو هذا الكعك الأبيضُ الناعم الجميل، وهو يُمثّل دقة الصنع التونسي وجماليّة الفنّ الذي يولي عنايةً كبيرةً بالتفاصيل. أنظر للوحة فأرى استدارة الكعكة في يد المرأة تُقارِبُ ووجها المدُوّر والمرسوم بعناية، مائلٌ قليلًا إلى اليمين وكأنّه مُعدّ للالتهام دفعةً واحدة، اليدان تتداخلان مع الكعكة الصغيرة بلون كريمي ناعم، ويعلو الأظافر طلاء أبيض، فيما تحمِلُ اليد الأخرى منديلًا سُكّريًا يتدلّى بدلالٍ ورقّة

Kaak Warka, 2000/ Feryel Lakhdar


سحرني عالم فريال التونسيّة، جاء ليُحرّك في رأسي أسئلةً كثيرةً وملاحظاتٍ عديدة التقطها أثناء معيشتي في تونس، ومحاولتي لفَهم هذه الثقافة الزاخرة بتركيباتٍ مُتناقضة مُعقّدة. قد لا تكون المرأة التونسيّة بحجم الخرافة التي تُشاع عنها بأنّها أكثر تحرّرًا وانطلاقًا، فهي ما زالت خاضعةً لإرثٍ ذكوريّ طويل يُكرّر نفسه، وتعيد هي بدورها ترسيخه وتكرسيه كغيرها من النساء في بلدان عربيّة أخرى، مهما ادّعوا أن القانون التونسي في صفّها


أخبرتني فريال أنّ بورقيبة عندما ادّعى تحرير المرأة بإعطائها حقوقها القانونيّة، قدّم لها شيئًا سهلًا “على طبق من ذهب”، لكنّه سلبها شيئًا آخر أكثر صعوبة من أن تدركه بسهولة: ما يجب عليها أن تفعله بنفسها على المدى اليوميّ لتتحرّر من إرث الأنوثة وتراهاتها الأبديّة التي تجثو بثقلٍ على كاهلها

لعلّ هذا الإرث الضخم يتجسّد في المساحة الشاسعة الخصبة التي يُحاول الفنّ التشخيصي لدى فريال أن يؤكّدها وينفيها في آن. المساحة التي يجب أن تحصل عليها وتملأها باختيارها، وإلا استحالت مساحةً جسديّة شاسعة وضخمة لتفريغ الأعباء والعقد الأبويّة؛ جسدًا بدينًا ليّنًا خصبًا مُشتهىً بلا أدنى اعتبار لحريّتها الشخصيّة وحقّها في الاختيار،  جسدًا مُعدًّا ومُدرّبًا  للأمومة المُقدّسة التي لا تحمل من قداستها في الواقع إلا قيودًا أكثر صرامةً تحبسها في إطار مُجتمعيّ وديني مُحدّد

إن ما تصنعه الأخضر في أعمالها الفنّية يهجو ساخرًا عرشَ الأنوثة الاستشراقيّ الذي يُصوّر المرأة المُمدّدة كأنها فاكهةٌ مُحرّمة، تتكشّف للرجل بعد تغطية واحتشام، فيكون في التغطية هلاكها لا “حمايتها”. الحَجب والتغطية التامّة إصرارٌ غير مباشرٍ على تصويب الأنظار نحو المفاتِن المُختبئة، والمبالغة في الإعلاء من قيمتها المتوارية بدلًا من إدراك قيمتها الطبيعية العفويّة. هكذا تلجأ فريال إلى فضح المستور وإبراز المفاتن وتضخيمها، فلا تتوانى عن استعجال الشهوة واستحضارها واستنفادِها والتلاعب بكلّ احتمالاتها الساذجة والمحدودة، فتدفعنا حتمًا للتساؤل
أهناك ما هو أرحبُ مساحةً للأنثى من جسدها؟


La pastèque, 2011/ Feryel Lakhdar