كلّما استمعتُ إلى صوتٍ مثل صوت المغنّي الأميركي توم وايتس أشتهي أن أقول لفرويد: ليتكَ استبدلت بنظريتك حول الحسد القضيبي حسدًا من نوع آخر؛ يتأجّج في داخلي فأتمنّى عنده بحقّ لو كنت أملك حنجرة رجل مثل توم وايتس. لماذا لا يتحدّث أحد عن حنجرةِ الرجِل التي تنفجِرُ عاليًا إذا ما انكسرت، فتهتزّ أوتارها الصوتيّة وتحفرعميقًا عميقًا أبعدَ ممّا تفعله أوتارٌ أنثويّة اعتدنا رقّة اهتزازها التكويني المُتأصّل فينا زمنًا طويلًا. يُصيبني هذا الحسد “الحُنجراتي” كلّما اشتهيتُ أن يخرجَ منّي صوتٌ رجولي بعد أن ظلّ مكتومًا، يخرج ويُحشرِجُ حزنًا غاضبًا وجارحًا لقصباتي الهوائيّة، يحرقني مثل كرةَ نارٍ مُلتهبة تصعدُ وتهبِطُ مثلما يفعل صوت “توم وايتس” في صدري، خاصةً عندما أستمع له وهو يُغنّي -إدوارد المسكين
تُصنّف حكاية إدوارد مورديك على أنّها “أسطورةٌ مدنيّة” جرى تداولها في القرن التاسع عشر، لشخصيّة رجل غريب يحمِلُ وجهًا آخر في مؤخّرة رأسه؛ رأس امرأة شرّيرة شيطانيّة، تبكي عندما يكون سعيدًا، وتضحكُ عندما ينتحب حزينًا، ولا تتوقّف عن الهمس والوسوسة له في الليل. ظلّ إدوارد يتوسّل إلى الأطبّاء أن يُخلّصوه من وجهها، إلى أن انتحر شابًا صغيرًا، مُوصيًا أن يُدفَن بعد أن ينتزعوا وجهها من مؤخّرة رأسه حتى لا تستمرّ وَسوساتها له في القبر
تدفعني هذه الأسطورة للتفكير بالوجه الآخر للمرأة الساكنة القابعة في الرجل المَدنيّ المعاصر، حينما تعبثُ بعواطفه ومشاعره، و”تنكّد” عليه فرحه، وتفرح لحزنه وانكساره. هذا الابتزاز العاطفيّ يُصبح لعبةً مُسليةً للمرأة عندما يُغيَّب الرجل عن التعاطي مع الذكاء العاطفي الذي تقمعه السلطة الذكوريّة، وتروّضُ أحاسيسه طفلًا عندما يبكي لأوّل مرةٍ أمام الآخرين، لأنّ “الرجال” لا يبكون
أليست هذه المرأة على الجهة الأخرى من رأس إدوارد وجهَه الآخر الذي ينبذه، الوجه الأنثويّ الشرير الذي يتلاعب به ويُضلّله في ساحة العاطفة المجهولة، ويَهمِسُ له ويُثرثِرُ في هدأة نومه الصامت. أهو احتمالٌ آخر لكيانه؟ ماذا لو خرجَت المرأة القابعة في الرجل وطفت على سطح وجهه؟
كلّما استمعت إلى الأغنية، ثمّة ما يُذكّرني دائمًا بهذا المعادِل الصوتي المُحشرج لتوم وايتس عبر تفاصيل رجوليّة عابرة لمحتها أحيانًا وغَضضتُ الطرف عنها رحمةً بأصحابها: كأن يجفّ ريق رجلٍ ما قَلِقًا على صورته الرجوليّة أمامي. أو حين يقول لي رجلٌ مكتئبٌ: هل سمعتِ رجلًا يقول بصوتٍ عالٍ “أنا وحيد”؟ أو عندما يبكي رجلٌ أمامي ويُخبّىء وجهه حتى لا أشهد على انكساره. أو عندما يصرخُ رجلٌ في وجهي لأنه ببساطةٍ لا يستطيع أن يبكي. أو عندما يصمتُ رجلٌ ما طويلًا لأنه مخنوقٌ ولا يعرف كيف يحكي
ما يشدّني في وجه رجلٍ يبكي هو الشيء ذاته الذي يشدّني في وجه امرأة جامد وجاحد، يُقاوِم ويرفض البكاء. كسرُ النمط الذي نألف أبدًا هو ما يبعثُ بي حرقة الشعور بالانكسار كلّما استمعتُ إلى أغنية “إدوارد المسكين”، بصوت توم وايتس الأجشّ الحزين الذي لا يتكرّر
