
كان الشاطىءُ ممتدًا وناعمًا بلون الكريما. حرّكت المرأة الجالسة في الشمس رملَ الشاطىء براحةِ يدها الورديّة وقالت في نفسها: الشاطىء رائع والبحر رائع والشمس رائعة. ما أجملَ هذه الأمواج الصغيرة التي تلفّ الشاطىء، كم هي رائعة! تبدو كربطة شعرٍ مُزركشة، والبحر كم هو مكتمل في زرقته! أغريب أن أفكر كم هو عتيق هذا الشاطىء وكم هو عتيق ذلك البحر والأقدم منهما هذه الشمس المشتعلة؟ وجه الشاطىء ناعم كالكريما، أما البحر فيبتسمُ اليوم كطفل رضيع بغمّازاته وغمزاته الجميلة، والشمس شهية كاشتعال الشباب. كم هو جميل أن تكون شابًا على قيد الحياة
لم تستطع أن تقول ذلك بصوت عالٍ، ولهذا قالت للرجل الجالس في الكرسي المتحرك إلى جانبها: كم من ملايين السنين استغرق تشكُّل هذا الشاطىء ؟ كم بزّاقة تركت هذا الصدف وراءها لتصنع هذا الرمل الناعم كالبودرة في رأيك؟ مليون بليون سنة؟ تركت الرمل يتسلّل بين أصابعها البيضاء القوية وابتسمت غامزة بعينيها تحت أشعة الشمس، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا عن الرجل الجالس إلى جانبها في ذاك الكرسي البائس عديم الفائدة، وحدّقت في الأفق
تَمَلْمل الرجل وتَقَوْقع في كرسيّه المُتحرّك، فبدا مثل بُقعةٍ قبيحةٍ في وجه الشاطى، ثمّ أشاح بوجهه الشاحب جانبًا. لم يجرؤ على النظر من تحت ذراع كرسيه إلى وجه المرأة المُشرقة وشعرها الذي يلمعُ في ضوء الشمس وقد أشرقت وجنتاها الورديتان. استرق نظرةً خاطفةً محمومةً إليها: نعم، لقد كانت جميلةً كطفلةٍ لطيفة جدًا. أصدرت منه حشرجةٌ رغمًا عنه أم تراها كانت تنهيدة؟ نظرت إليه بسرعة: ما الأمر يا عزيزي؟ هل تشعر بالألم؟ هل أنت مُتعب؟ أتريد أن نرجع؟ بدا صوتها في وسط هدوء الشاطىء المتناهي كصرير الجندب، بينما ظلت كلمة “دارلينغ” تتردُّد في أذنه كجرس أجوف .في تلك الأثناء كانت تُفتّش في ملامحه عن وجهه القديم؛ الوجه الذي كانت تألفه، وظلّت في محاولة يائسة لتطبيق تعويذة سحرية عليه، تستبدلُ من خلالها العينين الغائرتين والأنف الأفطس والفم الجاف الذي لا دم فيه
“ليس غريبًا،” قالت لنفسها. وسمعت صدى الكلمة الساخر المتلاشي: “دارلينغ، دارلينغ” يرن بعيدًا كجرس الطوّافة فوق المياه قائلًا: “دارلينغ، دارلينغ..” فتضحك الأمواج
قدمي فقط، قدمي اليسرى. الأمر مضحك أليس كذلك؟ إنها تنبض! لقد بتروها قبل شهرين. حرّك يده إلى الخلف: الموضوع غريب عندما تفكر به؛ القدم القديمة تبدأ اللعبة القديمة ذاتها ثم أنظر إلى الأسفل فلا أجدها هناك! وأشعر بأنني خُدعت مرة أخرى. ضحك، فخرجت ضحكته كحشرجةٍ صغيرةٍ مكتومة أمام دمدمة الصباح كأنّها ضحكة ذبابةٍ في الرمل. كان يفكّر: ماذا سيحلّ بنا؟ إنها شابّة بكامل صحتها وجميلة جدًا كطفلة، ما الذي يجب أن نفعله الآن؟” نظر في عينيها ورأى السؤال عينه: “ما الذي يجب أن نفعله؟” وأشاح بنظره عنها مسرعًا تمامًا كما فعلت
نظرت من ورائه إلى صف الفِلل البشع فوق الشاطىء. بيوتٌ صغيرة الحجم، كلّ بيت يبدو كمدخنة، تلتصق البيوت التي بنيت من طوب رخيص ببعضها والتصقت البلكونات الخشبية المقصوفة بها. كانت رخيصة ورثّة ومهجورة، تضرّرت كلها أثناء القصف. كانت كل الأبواب موصدة، ولا شك أن الغبار يُعشعش داخلها، في كلّ هذه الغرف والمطابخ والردهات المتروكة. لربّما كانت هناك أحذية خفيفة للشاطىء وأروابٌ دافئة بعد الاستحمام، ومناشفُ قديمة، وأوعية للطهي، وبطّانيات تتعفن في الداخل والرمل يعبثُ راقصًا فيها. لربّما كان الزجاج خلف أبوابِ النوافذ مكسورًا. لربّما كانت المرايا في الداخل مَشعورةً. لربّما سقطت الصور والمرايا على الأرض وتحطّم الزجاج الصيني في الخزانات المعتمة في هذه البيوت السعيدة عندما قَصفت الطائرات البلدة. من الذي بناها على أية حال؟
“الجبناء بنوها،” قال بصوته الأجشّ الذي يشبه صرير باب صدىء، أو صوت ذبابة نكدة مزعجة. ” بنوها ليمارسوا الجنس، ليحتضنوا بعضهم ويناموا فيها، ليختبئوا داخلها. إنّها فارغة الآن، تركها الفاسدون لتتعفّن هناك. عفنٌ يُخلّف هذا الشاطىء المُترف خرابًا بسبب الحرب. قليلٌ من موسيقا الجاز، وطاولةُ قمار ستصنعان فرقًا كبيرًا، أليس كذلك؟ ستُبهجنا فعلًا! سترقصين أنتِ، وأنا سأجرّب حظي على الطاولات. ها هو الكازينو هناك في الأعلى، مبنىً كبيرٌ مزدحمٌ ولكنّي لا أنصحكِ بالذهاب إلى هناك. لا أعتقد أنه سيعجبكِ، ليست أجواؤه المزدحمة ما تفضّلين. إنّه مناسب لي فقط ولكنه ليس مناسبًا لكِ على الإطلاق، ولا حتى سهراته الليليّة تليق بكِ”
“كلّما اندلعت معركةٌ تُقامُ حفلةٌ في الكازينو. يا له من مكانٍ عجيب! يجب عليكِ أن تريْ منظر الموتورات وهي تصعد إلى الأعلى. يبدأ الكازينو بالامتلاء ابتداءً من العاشرة ليلًا ويستمر حتى الصباح، ويُمسي أشبه <بدوفيل> ليلة <الجراند بري>. لم أرَ حشدًا كهذا من قبل، خاصةً حين يتدافع الناس من المدخل. أتدرين؟ وكأنّهم يتدافعون من مضمار السباق، ولكنّ على ما يبدو أنّ الحشد من نوعٍ مختلف. على كل حالّ، الناس في الكازينو ليسوا مجرد مبذّرين، إنهم مُقامرون ومشوّهون قلبًا وقالبًا بالتأكيد. محضُ حطام! فقدوا أجزاءًا من أجسادهم، من أعلى رؤوسهم، أو بُترت إحدى أقدامهم. وعندما يجلس منظّمو اللعبة حول الطاولة، تفحّصيهم جيدًا…اِقتربي أكثرَ سأهمس لكِ شيئًا: إنّ بعضهم بلا أوجه”
دارلينغ! توقّف أرجوك!” غطّت وجهها وأغلقت أذنييها متجاهلةً صوته الحقير، وقد حاولت أن تُصغي بلا أمل يُطال إلى هَمْهمة البحر الهادىء، بينما ظلت كلمة “دارلينغ، دارلينغ” تطّن في أذنيها كرنين جرس بعيد.
ليباركك الله!” قال الصوت الحقير الحاد الذي يشبه صوتَ ذبابة الرمل: “أشياءٌ صغيرة كهذه لا تحمينا!” إن لم نستطع الدخول حملونا إلى الداخل. كلّ ما تحتاجه هو تذكرةٌ يضعونها على جسدك كالمُلصق الذي يضعونه على حقيبة السفر، ومكتوبٌ عليها اسمك إذا لم تستطع تذكّره. لا تحتاجُ وجهًا للدخول إلى الكازينو، كل ما تحتاجه هو تذكرةٌ فقط
“!توقّف، دارلينغ- دارلينغ توقّف”
“إنه مكانٌ عجيب. ثمّة حلبةٌ للتزلج في الداخل، يجب أن تريها. من اللازم أن تمرّي بغرف القمار وقاعة الرقص لتَصِلي إليها. كلّها مليئةٌ بالأسرّة؛ صفوفٌ من الأسرة ممتدة تحت الثريا الكريستالية الكبيرة، وصفوف من الأسرّة تحت المرايا اللامعة الكبيرة، وحلبة التزلّج مليئة بالأسرّة كذلك. وعندما تُشع الشمس على السطح عبر الزجاج.. أوه كم يشبه ذلك منظر البيوت الزجاجية في حدائق <كيو>. ثمة رائحةٌ رطبةٌ تشبه تلك المنبعثة من مستنقعٍ مُتعفّن، ورائحةُ الغرغرينا. الرجال الذين أصابتهم الغرغرينا يصير لونهم أخضر كالنباتات المتعفنة”. ضَحِك، ثم استغرق بالصمت. نظر إليها جاثمةً ترتعد فوق الرمال وقد غطت وجهها، ثم أشاح بوجهه عنها
تساءل عن السبب الذي دفعه لإخبارها بكل هذه الأشياء. لقد أحبّها وكرهها وخاف منها، ولم يُرد منها أن تكون طيبةً معه. لم يستطِع أن يمسّها ولكنه مرتبطٌ بها؛ كان عَفنًا مرتبطًا بكمالها وجمالها. لم يكن له سيطرةٌ عليها ولكنه يقوى على شيء واحد فقط وهو أن ينقل لها العدوى، ويؤثّرعليها بعفنه وفساده. لن يستطيعَ إسعادها أبدًا، بل سيزيد من معاناتها أكثر. كانت رفاهيته الوحيدة هي الشعور بالغيرة من كمالها، ولذّته الوحيدة هي أن يستسلم لرغبته في زيادة مُعاناتها. لم يستطِع أن يتواصل معها إلا عبر هذه الطريقة انتقامًا من الحرب وممّا جرى له
لم يكن واعيًا بهذه الأفكار في رأسه. كان مُنشغلًا بأفكار صغيرةٍ مريضةٍ أخرى، ويقول في نفسه: ” سأتركها في حال سبيلها، سأدعها تذهب. عندما نصلُ إلى البيت سأودّعها”. ولكنه يعرف تمامًا ألّا قدرة له على تركها
أغلق عينيه، وقال في نفسه: ” رائحة البحر جيّدة، ولكن الرائحةَ المُنبعثة من نوافذ الكازينو كريهة. أستطيع أن أشمّها من هنا. لا أستطيع إخراج رائحتها من أنفي؛ إنها رائحتي!” ثمّ تَجَعْلَك وجهه الذابلُ المُتغضّنُ مُمتعضًا
نظرتْ إليه قائلةً في نفسها: “أحبه”، وقالتها مرة أخرى” أحبه، ولكن هَل أستطيع أن أستمّر في حبي له؟” همست: ” هل أستطيع؟ لازم، من اللازم أن أحبّه الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ولكن أين هو؟
تلفّتت حولها باحثةً عن الرجل الذي عرفته ذات يوم، كان الشاطىء مُكتمل الجمال، ثمّة نساءٌ يرتدين الأسود من أهل البلدة، وعجزةٌ وأطفالٌ يحملون دلاءً ومجارف. بدوا سعداء لأنهّم مازالوا على قيد الحياة، ولم يفكّر أحد منهم بالحرب
كان الشاطىء ممتدًا وناعمًا بلون الكريما. كان الشاطىءُ رائعًا والشمس شهيّةٌ مُشتعلة، وكان البحر هادئًا تمامًا. لم يكن الرجل في الكرسي المتحرك والمرأة إلى جانبه في حجمهما أكبر من الذباب فوق الرمل، بينما بدا العجزة والأطفال والنساء كالبُقع السوداء من بعيد
وبعيدًا هناك في البحر كان ثمّة شيء ما، لا بل في الحقيقة شيئان. وبالكاد استطاع أهل البلدة الواقفون على الشاطىء تمييزهما؛ أطلّا من خلال أشعة الشمس فيما تَشَقْلَب الأطفال على الرمل، وقد سمعوا صوتًا أشبهَ بصوت مطرقةٍ تدّق من بعيد
إنهم يطلقون النار على البحر، قال شخصٌ لشخصٍ آخر بجانبه
كم هو رائع هذا الشاطىء! والبحرُ مكتملٌ في زرقته. خلف نوافذ الكازينو تحت الثُّريا الكبيرة تمدّد الرجال في أسرّتهم الضيقة بوضعية غريبة، وقد ظهرت وجوههم الخضراء المُتعفّنة، فينما انعكست ضمّاداتهم البيضاء في زجاج المرايا القاتم. لا صوتَ سوى خَرْخَرة ماءِ البحر وهَمَسات الأمواج المُتعاكفةِ نحو رمال الشاطىء، ودقّة المطرقة القادمة عبر الماء من بعيد، وصوتُ جرس الطوّافة، كأنّه يقول: دارلينغ، دارلينغ

One response to “ترجمة قصّة قصيرة للكاتبة الأميركية ماري بوردن: الشاطىء”
[…] :لقراءة بعض نصوص ماري بوردن التي ترجمتُها في المدوّنةروزا ضوء القمرقَصف الكتيبة الشاطىء […]