
عندما تعرّفتُ إلى صديقتي التشيكية، أخبرتني أنّ أهمّ ما يُميّز التشيكيين هو قدرتهم على السخرية اللاذعة من كل شيء وبطريقةٍ مُركّبة لا يفهمها الآخرون بسهولة. كلامها صحيح، لأنني لمسته من قراءة الأدب التشيكي. أمّا كافكا الذي يكتبُ بالألمانية فلم يكن بعيدًا عن تأثره بالثقافة التشيكية وإن كان على هامشها، ولطالما اعتقدتُ أنّه يكتبُ ساخرًا من كلّ شيء، حتى من نفسه. كنتُ أعرف أن كلام صديقتي صحيح، لأنّني عندما قرأت قصّة <الحكم> لأوّل مرة ضحكت على شخصيّة الأب في القصّة وكيف أنّ كافكا يحيلها ببراعةٍ إلى مُهرّج ميلودرامي يستعطف ابنه ويتحكّم به، مُورثًا إياه عقدة الذنب التي تدفعه للانتحار بطريقةٍ لا تقلّ عن أسلوب الأب عبثًا وميلودراميةً. ما زلتُ أذكر إلى الآن تلك اللحظات التي توقّفت بها وضحكتُ وأنا أقرأ رواية <أمريكا> أو حتى رواية <القلعة>. أستمتعُ كيف يحشر كافكا شخصيّاته ثمّ يدعونا للسخرية من سذاجتها وضياعها في تجاربها بقسوةٍ مُحكمّة. كافكا كان بارعًا في اضطهاد نفسه والضحك عليها في آن، ولم أفكّر أنّه كان يأخذ ما يكتبه على محمل الجدّ كما نقرأه نحن. أضحك كثيرًا عندما أقرأ أحيانًا ما يُحمّله النقّاد من تفسيرات، وأتساءل أحيانًا إذا ما كان كافكا يدعونا كي نقرأه بحرفيّة وسطحيّة بلا أي نبشٍ يُذكر! كلّ تلك الأشياء كانت حاضرةً في بالي أثناء تلك المرحلة من بداية العشرينيات عندما كنت مهووسة بكافكا وكلّ ما يتعلّق به
عندما زرت متحف كافكا لأول مرة في مدينة براغ، شعرتُ بالقرف. رغم أنّني كنت أتطلع بتوقٍ
لهذه الزيارة منذ وقت طويل، إلا أنّها تجربة مُخيّبة إلى أبعد حدّ

إذا لم تزورا متحف كافكا من قبل، فإنكما عزيزي الزائر و عزيزتي الزائرة يجب أن تكونا مُستعدّين لمهزلة تسويقيّة مثيرة للغثيان، يتحوّل من خلالها كل شيء صغير مُتعلّق بكافكا إلى عالمٍ مُكبَّر وسلعة استهلاكيّة مُسوّقة؛ بدءًا من أقلام و شموع وعُلب كباريت كُتب عليها اسمه أو أو توقيعه إلى رموز ضخمة وُضعت في ساحة المتحف، وانتهاءً بأعماله المُصوّرة وسكيتشاته الصغيرة
قد تُجّربا اقتناءَ هذه السلع الصغيرة كما فعلتُ أنا لأفهم إلى أيّ حدٍ سيؤثّر هذا “الفيتش” الاستهلاكي على تجربتي في قراءة كافكا، وكان صفر تأثير بلا أي شكّ. لأنّ كافكا بالنسبة لي بالنهاية هو كلمات، لا سلعة تحملُ أي امتدادٍ استعراضيّ بائس
خلال تجوّلي في المعرض، شعرتُ بطعم الخيانة المُرّة، وأنا أفكّر معنى أن يُعاكسَك هذا الوجود في كلّ ما تتمنّاه حتى يُصبح هاجسًا يترصّدكَ بعد مماتك. كلّ ما أراده كافكا أن يختفي وتصير أعماله رمادًا، لتُنشرَ على الملأ، وليُحوّل إلى متحف في مدينة كانت تقبض عليه بأنيابها لأنّه محضُ كاتب على الهامش. وفوق ذلك كلّه، تبدأ بعد سنوات طويلة من رحيله، مُحاكمة في قمّة المهزلة حول إدّعاء إسرائيل ومطالبتها بمُلكيّتها لكلّ مخطوطاته الأصلية

عندما أقرأ كافكا، أتذكّر في كلّ مرةٍ أن عليّ أن أضحك، أن أستمتعَ بسخرية كافكا التي أبدعها ونحتها بموهبةٍ عظيمة، وأن أتذكّر أنّ كلّ ما تريده في هذا الوجود بصدقٍ قد يتحوّل إلى لعنةٍ مضادّة تُلاحقكَ حتى بعد مماتك. عندما أقدّر حجم السخرية الكامن لا في أعمال كافكا فحسب، بل في كلّ ما يتعلّق به في حياته ومماته، أتأكّد أنّ السخرية لغةٌ بليغةٌ تنطوي على بكاء صامت، لا يفهمه أولئك الغارقين بدموعهم التي لم يعد لها قيمة أو تأثير في زمننا هذا


You must be logged in to post a comment.