
تقول الكاتبة البرازيلية كلاريس ليسبكتور في رواية “ساعة النجمة”: لا أستطيع بلوغ البساطة إلا بجهدٍ هائل
أحببتُ مدينة عمّان صغيرةً وبسيطة، لكنّها مذ عرفتها ما لبثت تلفظني من أحشائها، فما كان بيدي إلا أن أُكْرِهها حُبًا. كنتُ آتيها صباحًا عاملةً منهكةً وحزينة، وأغادرها مساءً روحًا عالقةً في ياسمينةٍ بلديّة مُتدليّة، أو جسدًا طريًا في عشبٍ نما فوق واجهة بيت حجريّ، هُجِرَ وتُرِكَ على سجيّته
ثم رحتُ أسافر بعيدًا، لأعبر منها إلى شيءٍ آخرَ خارجٍ عنّي. كنتُ أجازفُ طواعيةً بفقدان ما أودّ ارتهانه لنفسي، فكان يُخيّل إليّ أنّني كلّما عبرتُ كبرتُ، وفقدتُ إحدى نُسخي الأرضيّة لأعثرَ على نُسخ أخرى منّي، من عمّان صغيرة بسيطة، لا تُشبهني
في المطارات، كنتُ أمرُّ من خلال ذلك الجهاز الذي يصفر كما لو أنّني شبح. أكره جذب الأنظار، يُريحني العبور بهدوء وصمت، بلا صوتٍ يُحذّرهم من الضجيج في رأسي، وأفكر: ماذا لو يستطيع الجهازُ اختراقَ رأسي؟ هل يسمحون لأفكاري الممنوعة بالعبور معي حينها؟
ها قرّرتُ التوقفَ عن العبور الآن. رحتُ أتكدّسُ في عمّان كما الطفولة في مرطبانات الذاكرة. أمكثُ في البيت حدًّا لا تعنيني العتباتُ بعده فلا أتخطّاها، لا تُهدّدني مجّانية الضوء الشمسيّ النافذ إليّ بحريّة، ولا تخترقني عتمةُ الأشياء دون أن يزيدني ما آلفه فيها وحدةً وحسرةً
تُنهكني لعبة الحياة الاجتماعيّة في عمّان، فأحردُ كالأطفال؛ أتوقّفُ عن اللعب فجأةً، وأقول للآخرين منكسرةً: أنا جاهلة اجتماعيًّا. ولكنّني ببساطة لستُ كذلك. كلّ ما في الأمر أنّني أشرحُ فيُساء فهمي، ثمّ أغرقُ في الشرح فلا يفهمني أحد. أتدرّبُ على مهارة الكذب وأفشل، فأهربُ للاختباء وراء قناع البساطة. أختلقُ نسخةً بسيطةً، لها أبعاد مدروسة، مُسيطرٌ عليها، مُحكمٌ إغلاقها، وألبسها فتتلبّسني. وكما الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس يختبىء في قصيدته وراء الأشياء البسيطة، لعلّ من يحبّها تستدلُّ إليه، تعلّمتُ الاختباءَ وراء الأشياء البسيطة حتى يُعثَر عليّ بسهولة، دون أن يستدلَّ الزيفُ الذي لا أحبّه إليّ أولًا
منذ وقت وأنا أُخزّن أفكاري في جوفي طويلًا، ثم أسترجعها لألوكها وحدي، دون أن أجرؤ على هضمها تمامًا، أو حتى إخراجها. لم يخطر لي أنّني كنت طوال الوقت أكبتها خوفًا من مواجهتها، وأنني أُخضعها، دون وعي منّي، للرقابة الذاتيّة. لا غرو أنّها عالقةٌ في أمعائي الغليظة مع تلك البكتيريا الضارّة إذن؟
لا أملكُ إلا أن آكلَ نفسي من صحني طواعيةً، ثم أبصقها مرارًا، لأنتشي بطعمي البسيط الخادع. لا أطمئنُّ إلا لمرارةٍ لا تنفع أحدًا سواي

You must be logged in to post a comment.