الموسيقا لغة من لا لغة له :<Tár>



قرأتُ عدّة مراجعات للفيلم بعد مشاهدته، وكل واحدة كانت تطرح أفكارًا جديدة، ممّا يدّل على أنّ الفيلم من براعة الإتقان والحبكة والإخراج على نحو يسمح بتعدّد تأويلاته. وحتى لا أكرّر ما سبق وقيل عن الفيلم، سأكتفي بتحليل بعض المشاهد، والإشارة إلى بعض التفاصيل التي لم تتطرّق لها المراجعات التي قرأتها، بحيث يُمكن أن تفتح قراءة جديدة، بدلًا من أن تنغلق على تأويلات محدّدة ونهائية

مشهد تار في بداية الفيلم وهي تُجهّز نفسها للقاء في مدينة نيويورك: القدم بديلًا عن القضيب

نستمع إلى السيرة الذاتية وإنجازات تار قائدة الأوركيسترا تُتلى على الملأ، فيما نُشاهد تار تُفصّل بدلة “رجولية” عند الخيّاط، ومشهد آخر وتار في شقّتها ترمي أسطوانات المؤلّف الموسيقي والقائد الأوركسترالي النمساوي مالر على الأرض وتدوس عليها. وبلقطة “كلوس- أب” يُركّز المُخرج تود فيلد على قدم تار، ثمّ تنضمّ إلى اللقطة قدم امرأة أخرى، يتبيّن لنا لاحقًا أنّها قدم شريكة تار أو زوجتها على ما يبدو. يسعى فيلد أن يُخبرنا بهذه اللقطة، أن انظروا كيف المرأة في علاقتها المُثليّة هذه تحاول أن تُثبت تفوّقها على الرجل، فلا تدوس عليه بدافع من حقدها المكبوت في اللاوعي فحسب، بل وأنّ القدم هنا عضو يستبدلُ شيئًا مفقودًا بشيء آخر. يتكرّر “موتيف” القدم في الفيلم أكثر من مرة، وذلك على سبيل المثال عندما تشعر طفلة تار بالخوف، تطلب من تار أن تُمسك لها قدمها لا يدها حتى تستطيع النوم

ومن المعروف أنّ فرويد يُشير إلى القدم باعتبارها بديلًا للوعي القضيبي، في حالة غياب وجود القضيب أو تعطّل وظيفته. هذه لقطة ذكيّة للدخول في عوالم اللاوعي الجنسي الذي يُحرّك شخصية تار طوال الفيلم، وقدرتها على تجسيد مركز سلطوي نسائي، وهي بذلك لا تختلف كثيرًا بتعنّتها ونرجسيتها واستغلالها لمن هم أضعف منها منصبًا، في توطئة لفيلم طويل، يهجو الخطاب ما بعد النسوي السلطويّ الغربي، في سعيه الأعمى نحو تمكين المرأة وتسليطها على الرجل، ليكرّر التاريخ نفسه


مشهد تار مع طلاب وطالبات يتدرّبون على عزف الموسيقا: عصر الإدانة الجاهزة؛ سياسة الهويّة ونرجسيّة الفروقات الصغيرة



هذا المشهد بارع في هجائه لخطاب سياسة الهويّة، وثقافة الإلغاء الترينديّة السخيفة . إذ بعد أن يرفض أحد طلاب تار الاعتراف بعبقريّة الموسيقار باخ بسبب معاملته لزوجاته من النساء، تغضب تار من الطالب وتدخل معه في حوار استفزازي، يتماهى مع الواقع الببغائي المُتمثّل في ثقافة السوشال ميديا، حيث أولئك المفتونين المُنتشين بخطاب الهويّة السياسيّة القائم على العرق والجندر والانتماء السياسي، حدًا تُصبح بعده ثقافة الإلغاء أسهل من ضغط زرّ “ديليت” أو “بلوك” لمواهب كلاسيكية عظيمة، لا علاقة لها بهذه المهزلات الهوياتيّة، والنيو ليبرالية الإنسانويّة في عصر ما بعد بعد الحداثة-

عندما تجلس تار وراء البيانو مع طالبها لتحاول إقناعه بالتخلّي عن رأيه حول باخ، تظلّ قدم الطالب ترتجف، وهو على ما يبدو في حالة نفسيّة من التوتر والقلق والخوف من شخصية بحجم تار، وعندما تنقضّ تار غاضبة فجأة وتُمسِك قدمه لتوقفها عن الاهتزاز تقول له: لا تتعجّل الإحساس بالإهانة، نرجسيّة الفروقات الصغيرة هي التي تخلق حالةً من التطابق المُمِل جدًا

قد يبدو أن تار تُناقِض نفسها لأنها المُثلية النسويّة التي لا تختلف كثيرًا عن رجل في موقع سلطة، باستغلالها لطالباتها الضعيفات جنسيًا، لكنّ هذا المشهد يكشف عن محاولات تار الدفينة للتسامي عن نرجسيّتها النسويّة، عبر اعترافها بعظمة الموسيقيين الرجال، عندما تُحدّق بهم عاريةً من كلّ أفكار وأحكام مُسبقة، ولا تملك إلا أن تُجرّد نفسها أمام عبقريّة مواهبهم. وهذا ما يجعلها إنسانة مُتناقضة، لكنّها واعية في تناقضاتها، وليست مُجرّد ببغاء أو روبوت لا واعٍ في عصر السوشال ميديا والنرجسيّة الإلهية

هذا ما يتبيّن لنا عندما يُغادر الطالب غاضبًا، لتصفه تار بالروبوت- وصفًا دقيقًا لببغاوات السوشال ميديا الذين يتنرجسون مُتمسّكين بفروقات صغيرة، ليخلقوا بها أجيالًا مُتطابقة من الروبوتات البشرية القميئة والمُنتشية في وهم اختلافها- المُتطابق- بلا أدنى وعي


مشهد تار تبكي في غرفة نومها القديمة وهي تستمع إلى عازف البيانو والمُلحّن اليهودي ليونارد بيرنستاين وهو يتكلّم عن معنى الموسيقا

أُلغيَت تار بعد فضيحتها مع طالبتها المُنتحرة، تترك برلين وتعود لنيويورك، تدخل إلى غرفتها القديمة، تُخرج شريط فيديو قديم، وتستمع إلى بيرنستاين مُلهِمها في تعلّم الموسيقا والعزف على البيانو. تبكي بحرقةٍ عندما يقول إنّ الموسيقا لها قدرةٌ لانهائيّة على التعبير عن أحاسيس عميقة لا اسم لها، الموسيقا فحسب هي التي تمنح هذه الأحاسيس اللامُسمّاة اسمًا، ولكن بلغة النوتات لا بلغة الكلمات. تنكسر تار، وتبكي بصمت، تشعر أن لا أحد يريد أن يسمعها، تدرك أن ما فعلته من استغلال لسلطتها لا أخلاقي، وأنّها ببساطةٍ تصرّفت مدفوعًة بسحر السلطة التي منحها لها تفوّقها ولكنّها عندما تبكي بسبب الموسيقا نشعر بإنسانيتها، ورغبتها في التسامي عن إحساسها بالعار والخزي، عن رغبتها في الانتماء إلى ما هو أعظم من أن يوصف بالكلمات

هذا المشهد الحزين، يُحاوِل أن يكشف عن هشاشة تار الإنسانيّة بعد شيطنتها، وعن تلك الأحاسيس الصغيرة في داخل الإنسان ورقّته ورغبته في أن يكون مخلوقًا ساميًا، أن يخلق الفنّ ليُشبع روحه، ويشعر بعظمة إنسانيّته وتفوّقه على جوع غرائزه الحيوانيّة


المشهد النهائي عندما تقود تار فرقة موسيقية شرق آسيويّة تعزف مقطوعة موسيقية لألعاب الفيديو أمام جمهور مُتنكّر في زيّ من الحيوانات المحشوّة

ماذا بعد الإنسانويّة الغربيّة المُفرطة في استحالتها؟ ماذا بعد هذه المهزلة القائمة على الهويّة السياسيّة الغربيّة؟ إن لجوء تار إلى الثقافة الآسيويّة في نهاية الفيلم، لا يُبشّر في العودة إلى ثقافات الشرق الروحانية على هذا النحو البسيط والساذج والمعتاد في الثقافة الغربية، بل إنّ ما نراه في نهاية الفيلم رعب كوميدي- نفسي ساخر

هناك العديد من التفسيرات التي قرأتها لنهاية الفيلم، لكنّني أميل شخصيًا لأرى أنه يُحيلنا بذكاء إلى حركة ترندية شائعة، خاصةً في الثقافات الآسيويّة، وهي ما بعد الإنسانويّة
وسعيها نحو نزع مركزيّة الإنسان عبر إعطاء أهميّة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، من منطلق الاحتفاء بأهمية كل ما هو لا إنسانيّ، كما الاحتفاء بالأرض والطبيعة والحيوان. يبدو انحطاط دور تار من أدائها للموسيقا الكلاسيكية العظيمة إلى موسيقا البوب وألعاب الفيديو، مُنسحبًا مع التيار اليساري الترندي في تركيزه على نقد كلّ ما ساهم بحيونة الإنسان من أساليب سلطويّة واستعماريّة، ليخلق بدائل أكثر سلطة و غباءً وعنجهيةً. إلا أنّ تسليط الضوء على صعود الثقافات الآسيويّة إلى المشهد الترندي التكنولوجي المُتسارع يُبشّرنا باجتياح بديل لعِرق جديد يحاول جاهدًا أن يكون متفوّقًا على مركزيّة العِرق الأوروبي- الأميركي. رغم أنّ الانحدار القيمي لشخصيّة مثل تار يبدو مُبرّرًا في نهاية الفيلم، على أنّه عاقبة لسقوط الأطروحات ما بعد السلطويّة البديلة، مثل ما بعد النسويّة كما بعد الإنسانويّة، فإنّه في ذات الوقت يُشعرنا بالأسى على الانحطاط المعرفي والفنّي والقيمي الذي أصاب الحضارة البشرية اليوم في آخر أيامها

ماذا تبقى لنا نحن البشر إذن سوى الموسيقا الكلاسيكيّة لتؤكّد لنا أنها أعظم لغة إنسانيّة عابرة للحضارات، إن شئنا أم أبينا؟