عُشب

Liverpool, Winter 2019




كان أبي رجلًا ضخمًا، أجشّ الصوت، سريع الغضب، يهابه الآخرون، لكنّه عندما ينكسِر يجلسُ ويبكي. كنتُ بوعيي الطفولي كلّما رأيت أبي يبكي أشعرُ أنّ العالم قد انتهى بالنسبة لي، ولا شخص آخر يُمكنني أن أثِق بقوّته بعد ذلك. كان بكاء أبي بمثابة أول تصادمٍ أختبر من خلاله معنى انكسار القوة، وهو ذاته الذي خلق لديّ الشعور باللاثقة في قوة الآخرين الظاهرة، مهما أغرتني، لأنني موقنةٌ أنّهم سينكسرون  كلّهم يومًا ما، ويبكون مثل أبي

أبي كان يغضبُ كلّما بكيتُ أمامه، لكنّه يعلم أنّني كنتُ أصير أكثرَ قوةٍ كلّما بكى أمامي. كان يعوّلُ على قوّتي التي تنبتُ في الخفاء، لأنه لم يفكّر بالانزواء يومًا كلّما كسره الله، وجعله يبكي مثل طفلٍ أمامي. تعلّمتُ حينها أنّ النحيب المكبوت عندما يخرجُ عن السيطرة يعني أنّ السلطة مهما بدت قويّة، فهي هشّة في طبيعتها، وأنّ القوة الحقيقيّة لها أشكال خفيّة، تتجسّد كما العشب الصغير الذي يشقّ نفسه بين أضلاع الدرج القديم وإن داسوا عليه مرارًا بأقدامهم الكبيرة، فهو يعودُ ليكبرَ ويستطيل، دون أن يلحظ وجوده أحد