فنّانة الجسد للكاتب الأميركي دون ديللو: وحشيّة الزمن وموت الهُويّة





لورين هارتكي فنّانة جسد استعراضيّة، مُتزوّجة من راي روبلز مُخرج سينمائي يُفجّر رأسه وينتحر في الصفحات الأولى من الرواية، لكنّ الحبكة لا تكمن في هذا الحدث البائس، وإنّما بالزمن المُتقطّع المكثّف والباقي عندما تعود زوجته لورين إلى البيت الفارغ، لتكتشف أنّ رجلًا مضطربًا نفسيًا يختبىء في عُليّة البيت، لا يستطيع الكلام، لكنّه يُكرّر مُحادثات راي ولورين المُتقطّعة، كما لو أنه مُسجّلة قديمة، تكرّر نفسها

لا يُفصِح لنا ديللو عن لغز ذلك الرجل، لربّما يكون مُجرّدَ شبحٍ لراي الذي انتحر، أو خيال لورين المحموم في محاولاته البائسة لاستعادة زوجها، أو هو جسد لورين نفسها وهي تنفسخُ عن نفسها كما لو كانت تُقدّم استعراضًا تتجسّدُ عبره على هيئة جسد رجلٍ مجهول الهويّة. ليس هذا مُهمًّا، ليس هذا ما يُجابهه ديللو ويُلاحقه عبر الرواية، وإنّما بتقنيّته الذكيّة يُطارد الزمن ويُحاول أن يقبضَ عليه مُتلبّسًا في هيئة جسد ما أو حتى شبح ما أو صوت ما، لكنّه يُفلِتُ دائمًا ويعود  إما للوراء أو يتوه بنا في مستقبل لا مضمون

نُشرت الرواية مطلع الألفيّة الجديدة، ولا شكّ أن ديللو كان يُعدّ وليمةً أخيرة لما بعد حداثيّة الحياة الأميركيّة، يُطعمنا بها أصناف اللاقيمة للأشياء الماديّة والمعنويّة. ماذا يفعل المستوحِش في هذا الزمن سوى أن يستهلِك ويلتهم كلّ شيء، بدءًا بنفسه؟ ينزع القيمة عن كلماته وحواراته؟ يختصرها قدر الإمكان حتى يبدو لامُباليًا وممتلئًا بنفسه. لكنّ عثور لورين على هذا الرجل المُستوحِش الوحيد الذي لا يحمِل هُويّة مُحدّدة يبدو كما لو أنها تعثرُ على هويّة مُجوّفة لإنسان خارجٍ عن سياق الزمن، ونرى كلّ محاولاتها لاستنطاقه وإطعامه وتحريكه وإغرائه وفقدانه وانتظاره، في سعيها لتُسبغ عليه شيئًا من معنى الزمن الحاضر

الزمن هو السرد الوحيد المهم. فهو يمطّ الأحداث ليجعلها ممكنة لنا فنعاني ونخرج منها ونرى الموت يحدث ونخرجُ منه. لكن ليس بالنسبة إليه. فهو في قاعدة أخرى، ثقافة أخرى، حيث الزمن شبيه بنفسه، شفّاف وعارٍ، فارغ من مأواه”

أعتقدُ أنّ لورين فنّانة الجسد تفقد هُويّتها كلّما بحثت عمّن تكون من خلال شخصيّة أخرى، والزمنُ يسمح لها أن تدخل وتخرج من سرديّات الهويّة، تموتُ مرحلةٌ ما لتدخل في أخرى، لكنّ هذا الرجل يُمثّل كيانًا مُنعزلًا لا يتأثّر بالعالم الخارجيّ ولا بالثقافة الما بعد حداثيّة، يظلّ شبيهًا بنفسه. لكنّ لورين تظنّه مجنون، ثمّ عندما تفقده تحاول البحث عنه في مصحّات عقلية، وتُشكّك بالسبب الذي جعلها تعتقد أنّه مجنون فقط لأنه يُخالِفُ كلّ مسلّماتها، لأنه عالقٌ في ذاكرته، ومُتنكّرٌ للبيئة الخارجيّة، ينبذ وحشيّة الزمن المسعور المتسارع  نحو المستقبل، ويُكرّر اللغة ويجترّ الحوارات القديمة ويردّدها كببغاء

هذا الرجلُ هو ذاكرة لورين، طفولتها، الحبُّ المُتجسّد في لحظاتها مع راي بعد أن فقدته، حكمةُ الموت في أن ندرك قيمة الأشياء بعد فقدانها، وقانون الزمن بأن  نتحرّك إلى الأمام حتى نعرف من نكون

” هذا هو قانون الزمن. شيء لا تعرف شيئًا عنه”

يُقحِم ديللو بين الفصول مقاطع من مقالات مكتوبة في الجريدة، أحدها عن راي وأعماله السينمائيّة والآخر عن لورين وعملها في الاستعراض المسرحي. يُعبث الكاتب بهذين الفنّين بتقنيّته الأدبيّة الرفيعة، يُدرك مساحات الأدب الشاسعة ليقتبس من فنون أخرى، لكنّه يتلاعب بحدود الرواية بأن يُسبغ عليها طيفًا سينمائيًا لامعًا عابرًا سرعان ما يخبو وينتحر، أو أداءًا مسرحيًّا مُتحرّكًا مسعورًا مستوحشًا في نوبة صرع تهدأ بعد انتهاء العرض، لكنه سرعان ما يعود لسرديّته الزمنيّة المُكثّفة في فصولها، ويُفتفتُ لنا حُبيبات نلتقطها لنستدلّ إلى مكان الجسد المختبىء، دون تملّص أو هروب

تقول لورين: “ربما فكرتي أن أفكّر بالزمن بشكل مختلف. أوقف الزمن، أو أبسطه، أو أكشفه. أصنع حياةً ساكنة هي العيش دون تزويق. حين يتوقّف الزمن، نتوقّف. أو لا نتوقّف، نتعرّى، أقلّ ثقة بالنفس. لا أعرف. كما بالأحلام، أو الحمّى الشديدة، أو إدمان المخدّرات، أو الاكتئاب. ألا يُبطىء الزمن ويبدو أن يتوقّف؟ ماذا يبقى؟ من يبقى؟”



هذه الأسئلة التي تبقى مع لورين بعد وفاة زوجها. الموت هو أن يفقد الزمنُ قيمته، فنفقد قيمتنا إثر ذلك. لكنّها حكمة الموت التي قد نُدركها بموت شخصٍ قريب منّا، أو موتِ جزءٍ منّا، كأنّنا ننتقل إلى جسد آخر. بيت آخر. لكنه للإيجار وليس التملّك، كما البيت الذي يستأجرانه معًا في البداية

“لماذا لا تنغمر في هذا؟ دع الموت يطرحك أرضًا. امنح الموت حكمته”


لربّما هذا الفنّ الذي يكتبه ديللو في روايته القصيرة هذه. فنّ اللاستقرار في الجسد، فنّ اللايقين في الهويّة، تمسّكنا بالوراء، واندفاعنا نحو الأمام، رغم شعورنا بوحشيّة الزمن العابر في خضمّ ذلك كله


هذه روايةٌ عن الزمن عندما يتعطّل، يفقدُ قيمته، ونظلُّ بأجسادنا المُفرغة من مفهومه مستوحشين، تائهين في البحث عمّن نكون. وإذا كان الله هو الزمن، وحين يتوقّف الزمن عن التدفّق إلى الأمام، هل نهتدي إلى قيمة الله وقيمة الأشياء المفقودة عبر العودة إلى الوراء؟ أم لا نملك إلا التقدّم والتخبّط في العمى إلى ما لانهاية