
لا أثر للرعب على الأرض ولا في السماء. كان عالم الصيف عميقًا ورحيبًا وجميلًا. ثمة سحب بيضاء مرتفعة تتحرك ببطء في حركة ظاهرية باتجاه بلجيكا، تعبر زرقة السماء اللامتناهية كأنها قلاع ضبابية ساحرة، تطفو ببطء باتّجاه ما يُسمّى “بالأرض السائبة”، وتمتدّ ظلالها مثل الرايات فوق المروج الخضراء وحقول الذرة الصفراء.
عبرت الجو طائرة في زيارتها إلى مدينة السماء الرومانسية؛ شخصية جريئة، وعفوية، متألقة في بهجتها، حلّقت عبر البوابات المتلألئة، ثمّ انحنت صوب مغامرة غامضة.
كان البلد يبتسم مبتهجًا. أرسلت الريح قبلتها، فانبعثت البهجة في حقول الذرة، وأصابت الأشجار بإغراء لا يقاوم. كانت زهور الخشخاش الحمراء تغمز بعيونها السوداء الصغيرة على امتداد الطريق، فيما لوّحت طواحين الهواء بأذرعها بفرح غريب، فبدت كأنّها أقزام رمادية الشعر، تقرفص فوق أحجار الأساس المنتشرة عبر الحقول.
بدت الحرب مثل المهرجان الريفي يومها. كأنّ الجيوش كرافانات الغجر المشرّدون على الطرقات، وهناك أفواج من الشباب يخيّمون في العراء، نيرانهم وأوعيتهم وطناجرهم وملابسهم التي يعلقونها لتجف فوق الشجيرات تلمع وترفرف كالكشكش الريفي، كما انتشرت مجموعة من الخيم المزركشة على شاكلة خيم السيرك هنا وهناك قرب الجدول.
انطوت القرى متدثرة بين حقول الذرة الذهبية، و همهمت أشجارها المبعثرة في الغابة كخلايا النحل. لقد آوت جيشًا كاملًا في مزارعها ومخازنها وأكواخها، فأقام آمنًا مطمئنًا، وأمضى نهاره الجميل إلى جانب المواشي وأحصنة المزرعة الرائعة والخنازير والدجاجات.
على بعد عشرة أميال من الجبهة البلجيكية، غفت بلدة ضئيلة كئيبة على ضفاف إحدى القنوات. اختبئت بين بواباتها العظيمة، فبدت عميقة مثل بئر مظلمة وسط البلد المشتعل. امتصت جدران البيوت بطلائها الأصفر شعاع الشمس، وانسدلت ستائرها. كانت الزوارق ساكنة في القناة، وقد غطست أشرعتها العظيمة في المياه الباردة. رشحت روح المكان من الشوارع الهادئة والبيوت الموصدة تحت أشعة الشمس. وكأن الشمس تسحب الروح الكئيبة من جسد البلدة المنهك المتكبر، فتبوح بأسرارها رغمًا عنها. أما ذكريات تاريخها المضطرب، وكيف دافعت عن حبها الشغوف لذاتها في وجه أمّة غازية، فقد انتشرت في أرجاء الهواء المشمس كأنها رذاذ عطري قاتم ولاذع.
كانت هناك كتيبة تتقدم في طريقها نحو البلدة على امتداد الطريق. إذا نظرت بعيدًا باتجاه بلجيكا فسترى الكتيبة تنزل عبر ذاك الطريق الأبيض وكأنها ظل يتحرك فوق سطح الأرض المشرق عبر الرياح وظلال السحاب. بدت كأنها ظل أفعى.
ومع ذلك، لم يكن هناك أثر للأفعى في السماء الرائعة. ومن منظور أقرب أمسى الظل عامودًا من الحدبات؛ قطيع من المخلوقات المشوهة المتشابهة التي سيقت معًا على الطريق. جاءت الكتيبة التابعة للقوات الفرنسية هذا الصباح من الخنادق متقدمة نحو البلدة؛ كتلة من الرجال مغرقةٌ في التعب. كان التعب فوقهم مختنقًا وتحتهم كان الغبار. تقدموا منحنين إلى الأمام وكأن المساحة بين العبء فوق ظهورهم والطرق المغبرة لم تكن كافية ليمشوا باستقامة. تحركوا بمشقة عبر الغبار وكأنهم يجرون سلاسلا في أقدامهم، ولم يُسمع إلا وقع خطواتهم التي تسحق الأرض.
كانت الكتيبة مؤلفة من رجال كبار في السن؛ وجوههم طاعنة، ملابسهم قديمة، أجسادهم مهترئة، وأرواحهم هرمة.لم يكن هناك أثر لروح الشباب فيهم.
تقدموا بثبات على امتداد الطريق. كانت خطاهم كخطى الحيوانات المتعثرة المنهكة، لم يبدوا كالرجال إطلاقًا وليس من المؤكد أي نوع من الرجال هم هؤلاء. واضح أنهم ليسوا شبابًا أيضًا فقد فقدوا لون الشباب وشكله، وحلّ لون الحرب عليهم. كانوا قاتمين رغم وهج الصيف وإشراقه. كانت وجوههم ممسوحة بلون باهت، وجوههم وأيديهم ومعاطفهم ملطخة بنفس الطريقة، فلم تعد زرقاء ولا بنية. رشح الإنهاك والمعاناة من أجسادهم ولونّهم بذاك اللون الكاتم. وكانوا كلهم مشوهين جراء الحرب. شُوّهوا بالطريقة ذاتها؛ كلهم كانوا مشوهين محنيين بالطريقة ذاتها، فقد حمل كل منهم العبء ذاته؛ الحقيبة والبطانية والقارورة والتعليقة ذاتها، السلاح ذاته. جرّوا أقدامهم المتورمة في ذات الأحذية الصدئة، وواحدة هي الآلة التي شوهتهم وحنت ظهورهم! لم يبد شكلهم كالرجال على الإطلاق ومع ذلك كانوا رجالًا.
لكنهم لم يتصرفوا كالرجال! لم ينظروا حولهم وهم يتقدمون على الطريق، لم يتكلموا وهم يتقدمون جنبًا إلى جنب، ولم يتوقفوا عن التقدم حتى لحظة واحدة. لم يأخذوا قسطًا من الراحة، ولم يلاحظوا المعالم الأثرية التي مروا بها. اللافتات الإرشادية عند تقاطع الطرقات لم تهمهم، ولم يتوقفوا ليمسحوا العرق عن وجوههم. لا شيء في تصرفاتهم يوحي بأنهم رجال عابرون في الريف الساحر، ومع ذلك كانوا رجالًا بالتأكيد.
عرفت من عيونهم أنهم كانوا رجالًا. تقدموا وعيونهم لم تتزحزح عن ظهور رفاقهم القاسية المحدودبة، رفاقهم الطاعنين في السن إلى الحد الذي يستحيل أن يكونوا بعده رفاقًا. و ثمة تعبير غريب في عيونهم الثابتة الغاطسة تحت حواجبهم الرمادية، تعبير يدل على المعرفة العميقة. لقد كانوا طاعنين في السن ويعرفون. وكان هناك الكثير من الأشياء التي لم يعرفوها: لم يعرفوا إلى أين هم ذاهبون ولماذا، لم يعرفوا إلى أي حد سيبتعدون وكم سيطول مكوثهم هناك. كانوا يعرفون شيئين فقط، الأول أنهم لن يعودوا إلى بيوتهم، والثاني أن مصيرهم هو الموت. عرفوا ذلك ولطالما عرفوه وفهموه ولم يتذمروا على الإطلاق. قُتل أولادهم ولذلك أخذوا مكانهم.
لا طاقة ولا شغف ولا حماس، لكنهم كانوا صبورين. ولأنهم طاعنون في السن لم يكن هناك شيء يرفضونه، ولم يكن هناك شيء لا يستطيعون احتماله. لقد احتملوا الإرهاق والبرد والجوع والرطوبة. احتملوا طويلًا لدرجة إنهم توقفوا عن التفكير في هذه الأمور، فقد وصل احتمالهم للتعب حدّ الخدر. قذارتهم باتت عادة بالنسبة لهم، وكانت المعاناة جزءًا من مؤنهم. لقد اعتادوا على البؤس، وكان الموت جزءًا من المعدّات التي حملوها معهم دائمًا. لم تهمّهم الحرب ولم ترعبهم، فقد قبلوها، وكأي شيء يجب احتماله كانوا يحتملونها.
ثمة شيء وحيد كانوا يرغبون به بلا أمل طائل،: أن يرجعوا إلى بيوتهم، ولكنهم كانوا يعرفون جيدًا أنهم لن يرجعوا. ومن عمق الراحة النابعة من تلك الحفر الدافئة العزيزة التي حفروها لأنفسهم في جوف الأرض التي يحبونها، استُدعي هؤلاء الرجال العجزة إلى الحرب؛ صحراء الموت السوداء. انتُزعوا فردًا فردًا من عمق الحفر التي صنعوها. لقد كبروا في فرنسا كالأشجار العتيقة الضاربة بجذورها بقوة، ولكنهم انتزعوا منها وحملوا بالعربات بعيدًا ليموتوا مخلفين وراءهم حفرًا فارغة.
تذكروا بيوتهم وهم يتقدمون على امتداد الطريق. لم يلتفتوا حولهم وهو يمشون في أرجاء البلد الرائع المبتهج بنفسه، لأنه لم يكن بلدهم ولأنهم كانوا مرهقين جدًا ليرفعوا أنظارهم. جاؤوا من الخنادق متعبين، ارتاحوا من عبء الموت الوشيك، إلا أن الراحة زادتهم تعبًا. فما الغاية من ابتعادهم عن الخنادق إذا لم يرجعوا إلى بيوتهم بعد؟ لقد ذهبوا إلى الخنادق منذ وقت طويل،زحفوا إليها بجهد جهيد، و أجسادهم العتيقة تصدر صريرًا، أما أرواحهم المخضلة بالدماء فهي غافلة عنهم. تعلموا كيف يعيشون في هذه الخنادق، بحذر شديد تعلموا كيف يحتملونها، فقد دخّنوا كمية لا تعد ولا تحصى من التبغ، وأكلوا الكثير من الخبز وناموا واستيقظوا واستقبلوا رسائلًا من عائلاتهم. بصرير المفاصل ذاته خرجوا من الخنادق، إلا أن بعضهم لم يخرج قط. لم يعرفوا إلى أين كانوا ذاهبين وكل ما عرفوه أنهم لن يرجعوا إلى بيوتهم.
إن الأمر سيان بالنسبة لهم ماداموا لا يستطيعون الرجوع.
مازالت الطائرة تلمع في شعاع الشمس محلقة حول قلعة السماء. حلّقت عاليًا عاليًا، وما انفكت عن الارتفاع. كانت الكتيبة مقيدة بالأرض. الرجال ثقيلون وشيء ما يسحبهم إلى الأسفل. ارتجت أجسادهم كأثقال سوداء تحك الطريق، بينما ارتفع عَلَمهم وحيدًا فوق رؤوسهم مرفرفًا ممزّقًا مدنّسًا. كان هناك كشعار للأمل لكنهم لم يروه، وتوقفوا عن تقدير وجوده منذ وقت طويل.
تقدموا نحو البلدة إذن. وفي قلب الساحة الكبيرة النائمة كان هناك شباب يرتدون ملابس عسكرية في انتظار الكتيبة القادمة من بعيد، وفي انتظار الجنرال الذي يأمر الجيش -جنرالهم. لقد كان هؤلاء الشباب الصغار ضباطًا، وليس من المؤكد أن لهم أي علاقة بالحرب، لكن من المؤكد أنهم ضباط.
في قلب الساحة وقفوا باستقامة بأجساد نظيفة ومصقولة وأنيقة مغطاة بأوشحة وملابس جلدية زرقاء وبنية. تلألأ الحصى تحت أقدامهم كصفيحة من زجاج معتم. من جهات الساحة الأربعة وقفت البيوت تتفرج بملامح متأملة. كان من الصعب التنبؤ كيف تفكر البيوت بهؤلاء الضباط، ومن الصعب التنبؤ أيضا بما كان يفعله الضباط في وسط الساحة .
من المؤكد أنهم كانوا ينتظرون، ولكن انتظارهم بدا جادًا وقلقًا. لم يستطيعوا أن يثبتوا في مكانهم، وكانوا مدركين أن البيوت تحدق باتجاههم. وقفوا باستقامة وقد تحركت أذرعهم ملوحة بإيماءات سريعة، بينما امتدت أيديهم المغطاة بالقفازات نحو شواربهم لتديرها. نقرت كعابهم الرصيف بأناقة وقد انحنوا أمام بعضهم طوعًا.
كان الضباط مختلفين، إذ لم يشبه واحدهم الآخر ولم يتحركوا بنفس الطريقة. كانت ملابسهم مختلفة، ومن الواضح أنهم أفراد مستقلون عن بعضهم. كان أحدهم نحيلًا والآخر سمينًا ، واحد أنيق والآخر طويل، واحد جاد والأخر ذو كرش مستدير.استطاعوا أن يحتفظوا بالرونق ذاته الذي كانوا عليه قبل الحرب. صحيح أن طلاء الحرب كان يعلوهم ولكن ظهرت شخصياتهم المستقلة بشكل مميز من ورائه.
كان مثيرًا للفضول أن ترى مثل هؤلاء الشباب اليافعين في قلب البلدة القديمة الشاحبة. رفعتهم راحة الساحة القاسية المنتفخة إلى أعلى ليروا منظر السماء. وعبر بوابة البلدة الشرقية تقدمت الكتيبة جارة ّأذيال الظلام معها لتودعها في قلب الساحة. عبرت حفرة الشارع نحو الساحة ثم أودعت كتلة الظلام وتوقفت. كانت الكتيبة كتلة مظلمة من الصلابة، خاملة لامبالية متعنتة، رجل يجاور الآخر ويشبهه. وقفوا متلاصين جنبًا إلى جنب بين البيوت الحالمة الشاحبة
لقد أحضرت الكتيبة الحقيقة إلى الساحة . كان واقعًا مظلمًا وكتلة تشغل حيزًا في الساحة، ومع قدوم الكتيبة بزغت الحرب في الساحة . تمزقت البلدة تحت خطوات الكتيبة المتثاقلة. اصطف رجال الكتيبة متلاصين جنبًا إلى جنب وقد لمعت كتلة الحديد الدائرية المتشكلة من خوذاتهم كشاطىء من الحصى الناعم أمام نوافذ البيوت، وانتصبت حرابهم كغابة من السكاكين اللامعة تحت أشعة الشمس.
تمزقت البلدة، إلا أن هناك تعاطفًا بينها وبين الكتيبة. قالت البلدة للكتيبة: أيها العجزة إنكم غرباء ولكننا نعرفكم لقد جئتم من الحرب . أهلًا بكم!
قالت الكتيبة للبلدة: إنكم طيبون، ولكن من الأفضل أن ترحبوا بمن يستفيدون من ترحبيكم، نحن عجزة ولا نرغب بأي شيء طالما أننا لا نستطيع الرجوع إلى بيوتنا.
-استريحوا هنا قليلًا ، رددت البلدة
-لا، لا نستطيع البقاء. لا ننتمي هنا! إنك عجوز مثلنا أيضًا لكننا متعبون جدًا ولا نستطيع أن نكون أصدقاء . شكرًا لك على أية حال.
قالت مجموعة الضباط للكتيبة: تأهبوا الآن! سيضبطكم الجنرال، أما نحن فسنحصل على الأوسمة!
لم تقل الكتيبة شيئًا، وليس لديها أي شيء لتقوله للضباط. لم يستطيعوا تمييزهم مع أنهم ضباطهم. أما الضباط فقد كانوا يشعرون بالحرج من الفحش والغباء والإنهاك الذي يبدو على الكتيبة، فوقفوا عابثين على حافة الظلام.
وبينما كان الضباط والكتيبة ينتظرون الجنرال في الساحة، حلقت الطائرات منخفضة من قلعة السحاب في السماء وصاحت بنشوة: انظروا إليّ ! انظروا إليّ أيها العجزة البطيئون؛ أستطيع الطيران!
نظر الضباط نحو الطائرات، أما الكتيبة فلم تحرك بصرها في أي اتجاه . قال الضباط في أنفسهم: هذه الطائرات السخيفة تستمتع بوقتها، لكننا سنحصل على أوسمة!
ظلت الكتيبة صامتة دون أن تلاحظ شيئًا.
علا صوت البوق معلنًا عن قدوم الجنرال، إلا أن امرأة قدمت إلى الساحة بدلًا منه. حضرت بسيارة لامعة ذات نوافذ زجاجية . ثم توقفت أمام الكتيبة ، فتحت باب السيارة ونزلت منها بقدمها البيضاء. كان جسدها الناعم مغطيًا بزي مستشفى لونه أبيض. وقد وقفت أمام الكتيبة والضباط برأس يعلوه منديل أبيض . ثمة صليب أحمر يحترق على جبينها.
لقد كانت حيوانًا جميلًا مُغريًا يرتدي زيّ راهبة، وتعلوه شارة الصليب الأحمر. قالت عيناها الظليلتان للكتيبة: لقد جئت إلى الحرب لأعتني بكم وأريحكم
لم تقل الكتيبة شيئًا. لم تعرف ماذا تقول. لقد كانت مصدومة.
أما الشفاه الحمراء لهذه الحيوانة الجميلة فقالت للضباط: أنا هنا من أجلكم.
فقال الضباط: نعرف لماذا أنت هنا.
كانت عيون الضباط تلاحق المرأة البيضاء المشرقة وهي تتحرك تحت أشعة الشمس، وارتاحت على جسدها الواقف في ظل الباب. كان وجود المرأة دفقًا من البهجة التي تغيظ الضباط وتداعبهم، ولغزًا مُحيّرًا في نظر الكتيبة، إلا أنهم كبار في السن ومتعبون جدًا ليكترثوا بمثل هذه الألغاز. أما في نظرة البلدة، فقد كانت المرأة شيئًا غريبًا ومذهلًا، تشبه طاووسًا أبيض.
قالت البلدة لنفسها: هذا المخلوق العجيب ضلّ طريقه، مظهره يوحي بأنه ذو قيمة لصاحبه بلا شك، ولكن هذا لا يعنينا.
دقت الساعة الثالثة في برج الكنيسة. فجأة انفجرت صرخة من الكتيبة، وتعالى صراخ من أبواقها وطبولها ودوّى مرتعشًا عبر جدران البيوت. هرع سكان البلدة الشباب إلى أبواب بيوتهم، ظهرت وجوه النساء المرتاحات ووجوه الأطفال الدائرية كابتسامة في ساحة المدينة، أما صوت الكتيبة الأجش الصدىء فقد ارتفع بجرأة للترحيب.
جاء الجنرال. ظهر عند الزاوية البعيدة للساحة، شخص ضئيل، يقف على الطرف وحيدًا بثبات وعزلة عن الآخرين. وقف بعيدًا؛ رجلًا منعزلًا يجذب انتباه القرية. عبر الساحة وحيدًا، كان يكبر شيئًا فشيئًا كلما تقدم، وقد غطى الأرض بخطواته العريضة. كانت يده التي تلبس قفازًا على غمد السيف، وعندما وصل إلى مركز الساحة استدار مواجهًا الكتيبة بهيئته الضخمة القوية الصلبة كالغرانيت آمِرًا كل رجل في الكتيبة بالإصغاء إليه. لقد تجاهل الضباط موجهًا اهتمامه نحو الكتيبة، أما البلدة فقد رأت شيئًا مثيرًا، إذ إن ظهور الجنود المنحنية استقامت أمام نظرات الجنرال، كأن ذراع الرجل الحديدية التي ارتفعت لتحييهم قد أزالت التعب عن ظهور العجزة المشوهة.
كان جليًا للبلدة أن الجنرال يفهم الكتيبة جيدًا ويعرف ما يعرفه أفرادها جيدًا، وبذات المعرفة المظلمة تلك واجههم. سكتت الأبواق والطبول، وعم صمت غريب في الساحة، وبالصمت ذاته دعا الجنرال الكتيبة للتحديق في عينيه. كان وجهه معبّرًا تمامًا عن الرسالة الحمقاء التي يريد إيصالها، والعبء الذي حمله بسببها سقط عليه، أما العتمة التي تغرق بها هذه الرسالة فقد طفت على وجهه فقبلها، لم ينبذها أو ينحني تحت وطأتها، بل وقف بعناد متحديًا الكتيبة بمعرفتها. كانت عيون الجنود المتعبة مركزة على رأسه الأبيض ووجهه القوي العميق. بحثوا فيه جيدًا وأدركوا أنه يعرف ما عرفوه ولا يوجد حتى شيء واحد عن الحرب لم يعرفه، ولذلك كانوا راضيين عنه.
قال الجنرال للكتيبة: أنتم مُلكي. أولادكم ماتوا، فرنسا نادتكم وأنتم لبّيتم النداء. يجب أن تموتوا من أجل فرنسا كما فعل أولادكم. لن تعودوا إلى بيوتكم أبدًا، ستعودون مجددًا إلى الخنادق وأنا من سيرسلكم إليها مرة أخرى! ستعودن إلى تلك الخنادق مرة تلو الأخرى حتى تموتوا مثل أولادكم! أنتم ملكي وملك الحرب، أحمل عبء طاعتكم وصبركم، وستكونون صبورين حتى الموت، أعرف ذلك.
أجابت الكتيبة الجنرال: من أجل بيوتنا وأولادنا؛ نحن هنا لأن أولادنا قضوا سعيًا لحماية البيوت التي لا نستطيع العودة إليها. أنت الوحيد الذي نطيعك.
حدقت البلدة نحوهم قائلة: من الواضح أن هذا الرجل عظيم. قبل مائة سنة جاء رجل عظيم مثله. نحن معتادون أيضًا على الحرب والجيوش، وقد رأينا الآلاف من الشباب و الرجال الكبار في السن أيضًا. نعرف أن هذا الرجل عظيم كذلك.
انتقل الجنرال من الكتيبة متوجهًا بكلامه نحو الضباط. أدركت البلدة أن العلاقة بين الجنرال وضباطه معقدة. لقد كانت معقدة كعرض رسمي راقص أو مسرحية إيمائية. عرف الضباط خطواتهم، إذ تدربوا على العرض جيدًا. تعامل الجنرال مع الضباط بطريقة رسمية فقد كان هناك ليكرمهم. كان تكريمهم طقسًا من الطقوس التي قام بها بمهارة ممثل، مجرد مسرحية يؤدي الجنرال فيها الدور الرئيسي. أدى الجنرال دوره بقدرة وإجلال وحيّا كلّ واحد من الضباط على حدة؛ الطويل والشاحب والسمين بكرشه المتدلي. سحب سيفه من الغمد فلمع تحت أشعة الشمس سرعان ما وضعه على أكتافهم. وضع الجنرال سيفه على كتف الكولونيل الأيسر وعلى كتفه الأيمن ثم قلّد صدره بميدالية وقبله على خده الأيسر ثم الأيمن. فعل الشيء عينه مع كل ضابط بالدور، ونادى عليهم واحدًا وحدًا بأسمائهم بصوت يعلوه المديح. وضع سيفه على أكتافهم، قبلهم وقلدهم بربطة صغيرة وميدالية لامعة.
كانت الكتيبة بمثابة الجوقة لهذه المسرحية اللطيفة، فبعد كل قبلة وتكريم صدحت أصوات الأبواق والطبول مهنئة إياهم. كانت القبلات والربطات الصغيرة والسيف اللامع الأنيق يُمرر بين الجنرال وضباطه؛ هذه الأشياء الصغيرة وحدها كانت تمرر بينهم. أما الحقيقة فلا مكان لها بينهم؛ كل هذا مجرد مسرحية صغيرة.
وانتهت المسرحية.
ورحل الجنرال بعيدًا من حيث جاء حاملًا معه الفخر والشجاعة اللذان جاء بهما إلى الساحة. صار وجه القرية شاحبًا وهو يراقب الجنرال مبتعدًا، واختفت النساء وأطفالهن في البيوت المعتمة. راقبته المرأة البيضاء بعينين غامضتين قلقتين دون أن تلاحظ تقدم الضباط نحوها منحنين بانصياع لها.
خفضت الكتيبة أسلحتها وحنت أكتافها لمغادرته. ازدادت ظلمتها حلكة وصار تعبها أكثر ثقلًا، فعندما غادر الجنرال تحولت مجددًا لكتلة من الأحداب القاتمة المنهكة
دقت الساعة الخامسة في برج الكنيسة عندما غادرت الكتيبة الساحة وتقدمت نحو الطريق الذي جاءت منه
كتيبة من الرجال الطاعنين بالسن. لم يعرفوا إلى أين كانوا ذاهبين ولم يهمهم ذلك. لم يتلفتوا حولهم وهم يتقدمون، لم ينظروا لا إلى الخلف ولا إلى الأمام. لم ينظروا إلى السماء التي لا غيوم فيها، ولم يتساءلوا أين الغيوم، لم يتذكروا الغيوم الجميلة التي أبحرت هذا الصباح نحو بلد العدو. لم يتذكروا الشفقة التي شعرت بها البلدة نحوهم ولا رضا أولئك الضباط الشباب عن أنفسهم ولا بريق الميداليات اللامعة ولا حتى وقاحة المرأة البيضاء التي كانت تتفرج عليهم. لم يتذكروا عظمة الجنرال ولا الفخر الذي يعرفون أنه يتسم به. بل تذكروا بيوتهم الجميلة، وانهمر المطر الرائع على وجوههم من تحت الخوذات، وثقلت أقدامهم على الطريق وقد تقدموا بثبات، متحركين بصبر حيوانات منهكة، وتذكروا..
لم يكن هناك أثر للرعب على الأرض ولا أثرٌ لغيمة في السماء. كان ضوءُ الشمس وقت العصر ذهبيًا. مرت الكتيبة كظل عبر الأرض المشرقة واختفت عن الأنظار.

2 responses to “ترجمة قصّة قصيرة للكاتبة الأميركية ماري بوردن: الكتيبة”
[…] :لقراءة بعض نصوص ماري بوردن التي ترجمتُها في المدوّنةروزا ضوء القمرقَصف الكتيبة […]
[…] روزا قَصفالكتيبة […]