
“هل أضافت الطبيعة شيئًا إلى ما طوّره الإنسان؟ هل أكملت ما بدأه؟ لقد كانت كذلك شاهدةً على معاناته ولؤمه وعذابه بكلّ خضوع وإذعان”. — من رواية إلى الفنار، فيرجينيا وولف
لطالما كانت الطبيعة شاهدة صامتةً على الحرب، والجانب المظلم الذي يعكس سيطرة الإنسان ونزعته التخريبية. ولعلّ عجز الطبيعة في أن تفصح عن ذاتها يشابه قصور اللغة وعجزها أمام وصف بشاعة الحرب وظلمها. ولكن، أيمكننا القول إن الطبيعة قادرة على التعبير عن الحرب أكثر من اللغة نظرًا لأنها ترينا آثار الدمار والمعاناة بدلًا من أن تصفها؟ رغم أن الكثيرين من الأدباء والأديبات حول العالم قد لجأوا إلى توظيف السردية الواقعية ، بالإضافة إلى عديد من التقنيات الأدبية الأخرى، لغرض الكلام والكتابة عن الحرب العالمية الأولى، إلا أن التعبير باستخدام اللغة لا يرقى لمنزلة الفعل. فوقع الحرب على الذين كانوا خلف خطّ النار مباشرة ليس كوقعها على من كان بعيدًا ويكتب عنها. ومن هنا، اقتضت إعادة تكرار وإنتاج تقنيات أدبية جديدة للكتابة عن الحرب، مثل الأساليب الأدبية المبتكرة التي تميّزت بها فترة الحداثة في مطلع القرن العشرين
لم تتأثر هذه الأساليب الأدبية الجديدة بفظاعة الحرب وبؤسها فحسب، بل كانت جزءًا من منظومة تغيير اجتماعية واقتصادية وسياسية شاملة شهدها العالم إثر الحرب العالمية الأولى. ولم تعد النظرة الرومانسية للطبيعة تغوي الشعر والأدب في الغرب وتحفّز مخيّلتهم، بل ظهرت عوضًا عنها التقنيات الحداثية الصادمة التي تصوّر كآبة المناظر الطبيعة والعقم الذي أصاب الأرض، مثل قصيدة ويلفريد أوين << الربيع الكريه>> عام 1918 وقصيدة تي. إس. إليوت الشهيرة << الأرض الخراب>> عام 1922
خسرت الطبيعة وظيفتها في مواساة الإنسان وجاءت مثل هذه الأساليب الحداثية لتعبّر عن تلك الخسارة الفادحة
وعند تناولنا للأدب الأمريكي أو الإنجليزي الذي كُتب عن الحرب العالميّة الأولى، ينقسم الكُتّاب والكاتبات إلى نوعين: نوع قاتل في الحرب أو كان قريبًا من خطّ النار مثل الكاتب الأمريكي إيرنست همنغواي والشاعرة والكاتبة الأمريكية ماري بوردن، ونوع عاصر الحرب وكتب عنها بشكل غير مباشر، ومعظم هذا النوع من الكاتبات النساء مثل الكاتبة البريطانية فيرجينيا وولف في رواياتها الشهيرة <<السيدة دالاوي>>، حيث ركّزت على الآثار النفسية والاجتماعية للحرب من وجهة نظر الحياة اليومية الشخصية.
إن خبرة الكاتبة ماري بوردن كممرضة خلف الجبهة الحربية قرّبها من المشهد أكثر، وأثّر كذلك على الاستراتيجيات والأساليب الأدبية التي تستخدمها. تركز بوردن في يومياتها والقصص التي كتبتها على فورية الحدث، وردود الأفعال الناجمة عن فظاعة الحدث في نفس الوقت، وتدير وجوهنا نحو الجروح النازفة الحارقة، بدلًا من التركيز على شفائها الوهمي فيما بعد. وهنا تكمن المفارقة، فكما يلجأ الكُتّاب الذين لم يخوضوا الحرب إلى أساليب مختلفة للتعويض عن غيابهم عن المشهد المباشر لما يجري في أرض المعركة أو على مقربة منها، فإن الكُتّاب الذين كانوا جزءًا من الحرب يلجأون إلى أساليب تنأى بهم قليلًا عن فظاعة المشهد، حتى يتمكّنوا من التعبير عنه دون أن يسمحوا للرعب الذي عاشوه أن يسيطر عليهم مرة أخرى حال تذكّرهم للبؤس الذي حصل.
ونظرًا لخلفية بوردن وعملها في مهنة التمريض، فإن مهاراتها في التواصل مع المرضى والجرّاحين أثّرت بشكل ما على أسلوبها الأدبي وحساسيتها واستجابتها للمشهد. وبناءً عليه، توظّف ماري بوردن أسلوبها الانطباعي الذي يرتكز على الوصف الجمالي أحيانًا أو التعمّق اللحظي في المواقف أحيانًا أخرى. ويشعر المرء عند تناوله لنصوص ماري بوردن بأنه أمام سكتشات فنية غير مكتملة، خصوصًا نصوصها الانطباعية القصيرة التي تصف بها مشهدًا دمويًا عنيفًا في الخلفية وتركّز على عنصر من عناصر الطبيعة في وسط اللوحة، محاولة تشتيت انتباهها عن المشهد الدموي العنيف.
كانت بوردن تجلس في فترات استراحتها من الخدمة، وتحاول أن تنقل انطباعاتها عما رأته من مشاهد في غرفة العمليات وعن الطبيعة التي تحوّطها وهي في داخل المشهد. لذا فإن تقنيتها في وصف اللحظة واستمرارية الحياة أقرب ما يمكن أن تكون بتقنية الفن الانطباعي الذي يُثبّت لحظة ضوء أو قطعةً من زمن في الحياة داخل اللوحة. تخلق ضربات بوردن المتكّررة بفرشاة الكلمات نوعًا من الرتابة داخل النص أحيانًا، خاصة عندما تثبّت لحظة مؤثرة في الزمن في بداية النص وتعمل على التعمق بها ووصفها، ثم العودة إليها لاحقًا والتأكيد عليها في النهاية. لا تأتي الرتابة في بعض النصوص الأخرى نتيجة للتكرار، بل سببًا تقنيًا يخلق لوحة تكعيبية فيها الكثير من التفاصيل التي أعيد تكرارها من زوايا عدّة لتشكّل المشهد
تتراوح النصوص في سيرة بوردن بين اليوميات والقصص القصيرة، إلا أن الطابع الغالب عليها هو الأسلوب المتشظّي، ذلك الذي يعكس بطبيعته شظايا الحرب وقصص جنودها اللامكتملة. تأخذنا بوردن إلى ماوراء المشهد الكئيب، إلى أدقّ التفاصيل في مظهر الجنود وملبسهم، إلى أفكارهم وأحلامهم التي فجّرتها قذيفة إلى أجزاء غير مرئية أو التهمتها الغارغرينا فتعفّنت واضطروا إلى بترها والتخلّص منها بعيدًا في القمامة البشرية، ثم تغلّفها في لغة تعبيرية جميلة وأسلوب انطباعي فنّي أبعد ما يمكن أن يكون عن الحرب وفظاعتها.
:لقراءة بعض نصوص ماري بوردن التي ترجمتُها في المدوّنة
روزا
ضوء القمر
قَصف
الكتيبة
الشاطىء

You must be logged in to post a comment.