
غريب ١
في مدينة <اسكيشهير> التركية المعروفة بأنّها مدينة الطلاب، دخلتُ أحد المقاهي الحديثة، وسرعان ما أخذت أبحث عن مقبس كهرباء لشحن هاتفي. سألت النادل الشاب إذا ما كان يتكلّم الإنجليزيّة، قبل أن أُباغته بالكلام بالإنجليزيّة مُباشرةً، دون مُراعاةٍ أو احترامٍ للثقافة المحليّة. أجابني الشاب بإنجليزيّة رنّانة
Of course I speak English, just like you do
لاحظتُ من ترحالي عبر عدّة مدن في شرق ووسط وغرب تركيّا أنّ الطلاب والطالبات في الجامعة يتصيّدون فرص الحديث مع الأجانب لممارسة اللغة الإنجليزيّة. اخترتُ إحدى الطاولات القريبة من مقبس الكهرباء، وجلست أشحن هاتفي النقّال، بعد أن أخرجتُ كتابًا صغير الحجم من حقيبتي لأقرأ. عاد النادل الشاب وقد أحضر لي القهوة، ثمّ سألني من أين أنا. أخبرته أنّني قادمة من الأردن. صُعِق النادل وقال إنّني لا أبدو “عربيّة”، وأنه لم يرَ في حياته قطّ أية امرأة عربيّة من الأردن في هذه المدينة، وأن العرب الوحيدين الذين قابلهم في حياته هم “سوريون” ولا يتكلّمون الإنجليزية. قلت له بنفس اللهجة التنميطيّة والتعميميّة التي ابتدأها: من الغريب أنك تتحدّث الإنجليزيّة جيدًا، معظم الأتراك لا يتكلّمون الإنجليزية. أجابني مُمتعضًا على نحو دفاعيّ بأنه يدرس تخصّص السياحة في الجامعة، ولذلك كان عليه أن يشتغل جيدًا على تعلّم الإنجليزية
تركني قليلًا، فعدت للقراءة. ثمّ ما لبث أن عاد للالتفاف حول طاولتي مجدّدا. سألني إن كنت أحتاج شيئًا إضافيّا، وبعدت أن هززت رأسي نفيًا، سألني مباشرةً: ماذا تقرأين؟ أخبرته أنّني أقرأ مذكّرات كاتب اسمه جورج أورويل عندما كان يتسكّع في باريس، جائعًا ومُفلِسًا وتائِهًا. أجابني وقد انهار جالسًا على طاولتي دون استئذان: هذا أنا تمامًا! أتعرفين أنّ هذا يومي الأول في العمل؟ وأنا جائعٌ جدًا ومُفلِس وضائع تمامًا
لم أعلم حينها إن كان الشاب يُحاوِل ممارسة اللغة الإنجليزية أم استجداء العطف من غريبة مثلي، ولأنني أعرف أنّ ما نقوله للغرباء الذين لن نراهم مرة أخرى على الأرجح لا يُحتسَب، رجحّت الاحتمال الثاني، فسألته وأنا أعطيه ردّة الفعل الذي يريدها: حقًا؟ مسكين! استفاض في الحديث موضّحًا أن راتب الطالب الذي تمنحه الحكومة لا يكفي شيئًا، ثمّ اضجع بكوعه على الطاولة وأخبرني أنّ عائلته لا تدعمه مادّيًا على الإطلاق، بل وأنّهم لا يكفّون عن مطالبته بزيارته لهم أسبوعيًا. سألته من أي مدينة هو، فأخبرني أنّه من “أسوأ وأقبح وأكثر مدن تركيا انغلاقًا وتخلّفًا “وهي مدينة <يازغوت>، وشدّد مُحذّرًا إياي من التفكير بزيارتها على الإطلاق. أجبته مُتعجّبة: ألهذا الحدّ؟ قال لي إنّه يكره مدينته وعائلته كثيرًا، وهو الآن واقع في امتحان صعب، والده مريض جدًا وقد يموت قريبًا، لا يعرف إن كان عليه أن يذهب لزيارته أم لا. سألته: ألا تستطيع تجاهل كرهك للمدينة قليلًا من أجل والدك؟ أخبرني: لا شيء يدفعني لهذا، فأنا أكره والدي أكثر ممّا أكره المدينة، لقد كان يضربني ولم يعاملني معاملة جيدة يومًا في حياته! قولي لي لماذا عليّ أن أفكّر بزيارته أصلًا؟ أجبته: إن كنتَ متأكدًا من مشاعرك حيال الموضوع، فلماذا تؤنّب نفسك؟ لا تذهب! انتهى الأمر. أجابني مُدافِعًا: أخاف أن أشعر بالذنب بعد أن يموت! تملْملتُ في مقعدي بعد أن وضعني النادل في موضع صعب، وأدركت فجأة أنّني تحوّلت إلى معالِجةٍ نفسيّة دون أن أشعر، فنهضت فجأة، وأخبرته أنّ عليّ الذهاب
أخبرتُ صاحب الشقة ليلتها عن هذه الحادثة، وقال لي: لا تتعجّبي منه، فأنا لا ألومه! إنّه من <يازغوت>. سألته: لماذا كلّ هذا العِداء؟ قال لي إنّهم منغلقون ومُتعصّبون دينيًا على نحو مقرف، وأضاف وهو القادم من مدينة <بورصة>: لو أنّني أمتلكُ مطعمًا، لكتبتُ يافطةً على طريقة الفصل العنصري القديمة إياها: ممنوع دخول الكلاب واليازغوتيين
أوجعتني هذه العنصريّة المحليّة بين الأتراك أنفسهم، وعرفت أن عنصريّتهم تجاه العرب لا تختلف كثيرًا عن عنصريّتهم المبنيّة على فروقات صغيرة يتعالون ويتنرجسون بها على أنفسهم
غريبة ٢
عثرتُ على مقهى صغير وشاعريّ في منطقة <كوناك> قرب الشقة التي استأجرتها على البحر في مدينة <إزمير> الساحرة. كان المقهى يقع في بيت قديم على جادّة شارع فرعيّ، وقد وُضعت طاولات صغيرة بيضاء قرب درابزون الدرج المُغطّى بالأزهار المُتدلّية. دخلت المقهى عند المساء، وكانت إضاءته خافتة على نحو مريح للعين. ارتكنت إلى طاولة صغيرة في الزاوية قرب النافذة، تعلوها بعض الكتب الأدبية والسياحيّة باللغة التركيّة، وكان من بينها رواية <الغريب> لألبير كامو. ابتسمتُ بعد أن علمتُ أن كلمة <يابانجه> تعني
غريب باللغة التركية، وتساءلت إن كان لها علاقة باليابان أم لا
كان نادل المقهى الشاب واقفًا مع حبيبته على ما يبدو، وابتسما لي معًا ابتسامة جميلة، عندما طلبت القهوة
بعد أن عدت إلى طاولتي، تبعتني الشابة التركيّة وهي تحمل كاميرتها وسألتني بإنجليزيّة مكسورة إن كان بإمكانها أن تصوّرني. اعتذرتُ منها وقلت لها إنّني لا أحب التصوّر كثيرًا. واستغلّيت اقترابها منّي فأخبرتها أنّني صحفيّة مهتمّة بالثقافة وأحبّ أن أسألها عن المدينة والحياة فيها بشكل عام. تحمّست الشابة التركيّة وأخبرتني أنها ستحاول الإجابة عن أسئلتي، لأن إنجليزيتها ليست جيدة.
جلسنا، ولم أكن أطمع بالكثير منها، لكنّ ابتسامتها وانفتاحها على الحوار كان بمثابة ترحيب كافٍ لأرتاح لوجهها الصغير
قالت لي إن اسمها <آلينا>، طالبة في الجامعة، تساعد حبيبها بالعمل في المقهى، ولأنّها مُصوّرة تضع بعض الصور على حسابات السوشال ميديا للترويج للمقهى. أخبرتني أنّها تحبّ تصوير الطبيعة، وأكثر ما تحبّ تصويره هو “المشروم”، وتسحرها أشكاله المتنوّعة. أخرجت هاتفها وعرضت علي الصور التي التقطتها أثناء تجوّلها في الغابة. سألتها إن كانت تُحبّ مدينتها، فأجابت بأنها تحبّ هذه المنطقة كثيرًا من المدينة. ثمّ أخبرتني إن الناس في مدينة <إزمير> “كوول” كثيرًا، لكنّها مُتضايقة من وجود “السوريين” هنا. أخذت تشرح بكلّ ما في قاموسها الإنجليزي من كلمات محدودة وتعبّر عن خوفها وقلقها من تكاثر اللاجئين السوريين في المدينة. قالت إن السوريين عندهم كثير من الأطفال، أمّا العائلات التركيّة فأعداد أفرادها محدود، وقالت وهي تشير بيديها نحو صدرها: نحن .. نحن أخاف أن يصبح عددهم أكثر منّا في المدينة! هززت لها رأسي وقلت لها: أفهم. أفهم. وبعد أن ارتاحت لهذا الاحتواء والاستيعاب لخوفها، خطر لها أن تسألني من أين أنا، فطلبت منها أن تُخمّن. فقالت بسرعة دون تفكير: إسبانيا! أنتِ بفستانك وشعرك الأسود مثل امرأة من إسبانيا. ضحكت مُطوّلًا في وجهها وأنا أخيّب آمالها الحضاريّة العالقة علي شكلي، وقلت: أنا عربيّة، من الأردن. تعرفين الأردن؟ وقرّبتُ سبّابة يدي اليُمنى إلى سبّابة يدي اليسرى وأنا أقول: بجانب سوريا
شهقت الشابة التركية وقد أرجعت جسدها إلى ظهر الكرسيّ بشيء من النفور والدفاع. ثمّ عادت وسألت: لا لا أنتِ من أوروبا نو؟ أكدت لها مجدّدًا وأنا أبتسم أنّني عربية. فابتسمت بخجل، تلاشى حماسها، ونهضت مُتحجّجة بأن عليها أن تذهب لمساعدة حبيبها

You must be logged in to post a comment.