ترجمة قصة قصيرة للكاتبة الأميركية ماري بوردن : قَصْف

Liverpool, Autumn 2018



كانت السماء الواسعة الحلوة ممتلئة بالضوء: قبة الليل المكتملة صارت نهارًا. تلاشت ملايين العوالم الفضّية فوق سطح الأرض


الرياح ساكنة، والشمس على وشك أن تشرق بهدوء. ظهرت بقعة سوداء في وسط ذلك الاتساع الهائل؛ طائرة تحلق عاليًا مخترقة الشفق بغموض. اختفى صوت محركها الدائري في الهواء، كأن شبحًا حلّق عبر قبة السماء التي لا سبيل إلى مسّها. كانت الطائرة هي الشيء الوحيد الذي يتحرك في السماء والأرض

الخريطة اللامرئية تمتد  هناك في الأسفل؛ الأرض الشاسعة، الشاطىء الأبيض الطويل والبحر الممتد على مرأى العين. ثمّة قرى ومدن متفرّقة على وجه البسيطة؛ مساكن الرجال الذين وضعوا ثقتهم في السماء وتجرّؤوا على أن يملؤوا الأرض بالبشر  


دارت الطائرة في السماء ثم بدأت تحوم فوق البلدة 


كانت البلدة نائمة في القاع، وقد ألقت رأسها بأمان على مخدة الساحل، ثمة ظلال بنفسجية أمام أبنيتها الشاحبة، والشوارع ساكنة، لا دخان يتصاعد من مداخنها. السفن نائمة بسكون في عمق الميناء القريب؛ ارتفعت أشرعتها من المياه الخضراء كعيدان القصب النابتة بغزارة قرب أبراج الحرب العظيمة، وكأنها نباتات غريبة بينها. كان البحر خلف الأمواج المتكسرة ناعمًا ولامعًا كصحن من الفضة: سكون


هبطت الطائرة بحركة دائرية بطيئة فوق البلدة، وهي تقتفي أثرًا لامرئيًا عبر الهواء المتلألىء؛ كأن رسولًا هبط من السماء على أهل البلدة وهم يحلمون


فجأة انفجرت صرخة من برج الكنيسة. للحظة بدت السماء وكأنها ترتعش تحت وطأة الرعب المنبثق من حجارة البرج.  من المؤكد أن القرية كانت ستصحو مذعورة، ومع ذلك لم يتحرك أي شيء؛ لم يكن هناك أي صوت أو حركة في الشوارع، وكانت السماء صامتة كذلك

استمرت الطائرة بالهبوط فوق برج الكنيسة حتى بدا شكلها مشابهًا للبعوضة، وبعد ذلك أسقطت شيئًا منها فاشتعلت شرارة من النار في الهواء

عمّ الصمت بعد تلك الصرخة

توازنت الطائرة في السماء الصافية بشكل ساحر، وأخذت تراقب الأبنية تحتها وكأنها تنتظر شيئًا غريبًا ليحدث، وسرعان ما انهارت مجموعة من البيوت، وكأن العين الساحرة لتلك البعوضة قد خلّصتها من الأرواح الشريرة، بينما انفجرت صرخة من الأرض المجروحة. 
استمر القصف. يبدو أن البنادق الكبيرة المختبئة داخل الكثبان الرملية في بلجيكا قد نفّذت الأوامر

ومع ذلك فإن وجه المدينة المتسق المتسع لم يتغير، باستثناء تلك البقعة التي انهارت البيوت قربها. لكم هو بطيء أن توقظوا المدينة! أشرق ضوء النهار ملوِّنا واجهات الأبنية بالوردي الباهت والروزماري. الشوارع النظيفة الفارغة تقسّم المدينة إلى أجزاء، والمدينة تمتد فوق الأرض بأطرافها المتّسقة، تحيطها الجدران والقنوات التي تلمع كأرضية مدهونة

انطلقت صفّارة الإنذار مرة أخرى من برج الكنيسة، تبع عويلها صرخة ثانية، بينما اتسعت حفرة وعرة في الساحة المكشوفة وسط البلدة

دارت الطائرة بسلاسة وهي تراقب ما يحدث. وأخيرًا بدأت علامات الرعب والذعر تظهر على كثيب النمل البشري في الأسفل. خرجت حشود من الأقزام مذهولة من بيوتها في كل اتجاه، هارعة تختبىء في حفر الأرض، أسرعت الخنافس المدرعة إلى الشوارع، ارتفعت أبخرة نفّاثة بيضاء من المحركات في المحطة، و قد اهتزّ الميناء بأكمله

انبعثت ضجة كبيرة مرة أخرى بينما انطلقت سحابة من الرماد في الهواء كأنها خارجة من بركان، وأشتعلت النيران من حولها. أما رصيف الميناء فقد هوى غاطسًا في البحر

امتلأ الشاطىء الأبيض بالحشرات الزاحفة؛ خلايا بشرية منتشرة في الرمل. كانت أعينهم مركزة على ذاك الشيء الشرير الذي يحلّق فوقهم، و عقب كل انفجار، كانوا يسقطون على وجوههم كالمصلّين المتشددين في عبادتهم

وثبت الطائرة إلى أعلى، ثم دارت حول ذيلها بشيء من البهجة والاعتداد بالذات. في خضم الكثبان الرملية المنفجرة في الأسفل، ظهرت أخيلة الرجال السوداء في طائرات مضادة؛ هؤلاء هم المدافعون عن البلدة،  يحملون أوامر بالقضاء على تلك البعوضة المحلقة في سماء لا حدود لها. أما الغيوم الصغيرة التي انبثقت من شعاع الشمس فبدت كالقبلات الطائرة

أخذ وجه البلدة يتبدّلُ على نحوٍ غريب. ظهرت علامات كحبوب الجدري على سطحه، وتكثّفت كأن وحشًا ضخمًا لامرئيًا هاجمه ونبش فيه مخالبه وأنيابه. ظهرت خدوش وجروح عميقة بحواف غائرة في شوراع البلدة، فبدت بوجه يائس عابس ذي ملامح مشوهة تحت سقف السماء

ومع ذلك، فقد أشرقت الشمس ملامسة الطائرة بخيط ذهبي، فضحكت. ضحكت الطائرة على وجه البلدة المشوّه وعلى الشاطىء الممتلىء بالحشرات الزاحفة، وعلى النمل البشري المتدفق عبر أبواب المدينة نحو الطرق البيضاء. ضحكت على السفن الحربية وقد خرجت من الميناء واحدة تلو الأخرى متقدمة بثبات وفوهات بنادقها تحدق يائسة قرب جوانبها المدرعة. وفي نقرة أخيرة من جوانحها اللامعة اندفعت الطائرة بجرأة تتفادى قبلات القنابل؛ تغويها وتداعبها. وبعد أن أوصلت رسالتها، حلقت بعيدًا صوب شعاع الشمس واختفت كبقعة في السماء الهائلة إلى أن صارت عدمًا، فيما خلّفت المدينة وراءها هائجةً في نوبة صرع