أن نكون في زمن الحرب
ليسَ الشعرُ بَذخًا، تقول الشاعرة أودري لورد، فأصدُّقها. وفي محاولات بائسةٍ منّي للنهوض صباحًا هذه الأيام، أبحثُ عن قصائد قديمة أحبّها، وأقرأها بصوتٍ عالٍ حتى يطغى صوتها على صدى الأخبار العالق في رأسي
ليس بذخًا في زمن الحرب العلنيّ هذا أن نُتمتم قصائدنا المُفضّلة كتعاويذَ سريّة، تحرسُ ما تبقّى من إنسانيتنا
لا يُرعبني عنفُ الحرب هذه الأيام بقدر ما يُرعبني خطابها؛ هذا العنفُ المُعَقلنُ بكلماتٍ هادئة تذبح وعينا ببطء، وتصفّي دمنا من وراء شاشاتنا. إنّ العنفَ الذي يُمنطِق نفسه بالكلام، كما يجادلُ بول ريكور في مقاله حول العنف واللغة، هو عنفٌ يحاولُ جاهدًا انتزاع أحقيّته؛ عنفٌ يُعقلِنُ نفسه، يُخاطبنا باحثًا عن معنى لتبرير وجوده، ولا يملك إلا أن يناقضَ نفسه في اللحظة ذاتها التي يطأ عندها أرض اللغة البريئة، ويغتصبُ كلماتِها
يُفرّقُ ريكور بين العنف القائم على الخطاب السياسيّ من جهة، واللاعنف الكامن في الخطاب الشعريّ الذي يسعى للانفتاح على الوجود بدلًا من تضليله وتخريبه من جهة أخرى. لكنّه في الوقت ذاته لا ينزع صفة العنف عن اللغة الشعريّة تمامًا، وفي أبعدِ نقطةٍ من هذا اللاعنفِ الخطابيّ في الشعر يتموضعُ نوع آخر من عنف اللغة الشعريّة؛ إذ حين يرضخُ الشاعر والشاعرة إلى المعنى، لا يخضعان طواعيّة إلى رغبة اللغة وقوانينها بقدر ما يسمحان للذات الشعريّة أن تكون، وللفعل الشعريّ أن يتكوّن بفعلهما، وعند نقطة التقاء المعنى مع الوجود، لا يملكان إلا أن يجبرا الأشياء على أن تنطق، فتحملُ الكلمات الشعريّة عنفَ هذا الاستنطاق الإجباريّ مُتجسّدًا في قوّة الكلمات وتأثيرها الواقِع علينا.2
كلّما ازداد العنفُ السياسيُّ تبجّحًا في خطابه الظالم وضح النهار، يضحي العنفُ الشعريُّ الرهيفُ سلاحًا لُغويًا وحيدًا، نرفعه في وجه الظلم
أقرأ قصيدة إيتيل عدنان <<أن تكون في زمن الحرب>> بصوتٍ عالٍ، أقرأها ولا شيء يُفنيني في معناها سوى هذه المهزلة الوجوديّة: ألعلّها كانت تقصد ألا نكون في زمن الحرب إذن؟ أن نصير عدمًا حتى لا نجرّب ثقل كينونتنا في زمن فصاميّ تتقاطعُ في خضمّه أفعالنا اليوميّة مع أفعال الحرب العدميّة؟ لكنّ إيتيل في قصيدتها الطويلة جدًا تُخيّبُ ظنّي بحثًا عن معنى أن نكون، أن نحيا بالتزامن مع حرب دائرة في مكان ما من العالم. تعمدُ إلى وصفِ أدقَّ أفعالها وردود أفعالها، رغباتها الدفينة في فعل أيّ شيء، أيّ شيء، الحركة في أي اتجاه، وإن كانت لا تعرفُ بالضبط إلى أين
<<تقلبين الصفحةَ دونَ أن تُحرّككِ حياةٌ جديدة.
تُشغّلين الراديو. تستمعين إلى الأخبار. تستقبلين السمّ في وجهكِ.
تلعنين الساعةَ، والنارَ، والجحيمَ، والفيضان.
يتفتّقُ صبركِ.
تَعدَمين حظّكِ.
تمنعين إحساسكِ الداخليّ بالهزيمة من السيطرة عليكِ.
تُقاومين.
تنهضين.
ترفعين صوت الراديو. تُدركين أنَّ المسيرات المُناهضة للحرب في كلّ مكان.
تُذعنين أنّ الطبيعة البشريّة ليست واحدة.
تعرفين أنّ الحرب في كلّ مكان.
تُذعنين أنّ بعضها يُكلَّل بالانتصار.
تشربين الماء. تدورين حول نفسكِ.
تتظاهرين بالاتّزان.
تُصدّقين نفسكِ.
تتظاهرين.
تُجادلينَ قلبكِ. تتحدّثين إليه. تُهدّئين صوته قدر استطاعتكِ.
تلعنين همجيّة هذه الحروب الصليبيّة الجديدة القادمة برعاية التكنولوجيا.
تغرقين في الشك.
تخرجينَ منه مُنتصرةً على نفسك>>.
وتعودُ إيتيل عدنان في نهاية القصيدة لترسمَ العالمَ تمامًا كما أتخيّلهُ الآن:
<<تفكّرين في بيروت.
تحلمين بفلسطين.
تشتاقين إلى بغداد، وشيءٌ ما يذكّركِ باستحالة أن تكوني حيث أنتِ.
…
تفجّرين الحقيقة.
تفجّرين البلدان.
ينفد صبركِ من فرط العدم.
تغسلين يديكِ وتنظّفين أسنانكِ.
…
تعيشين بلا رغبات.
تُلهين نفسكِ بالشّعر، بالأشجار.
تنظرينَ إلى الأشجارِ وهي تكبرُ على عجل.
تظهرين وتختفين.
تهربين من الوحشيّة إلى الملجأ الخاطىء.
…
ترسمين لوحةً ضخمةً تقطرُ دمًا.
…
تنظرين إلى ذاك الطريق الضيّق الّذي يقودُ العالمَ إلى المذبحة>>.3
أتساءلُ بعد الانتهاء من قراءة القصيدة: ما معنى هذا؟ هل من سبيل لينتهي كلُّ هذا؟
أنتقلُ مع ريكور من العنف الرهيف في لغة الشعر إلى العنف المُحتّم في لغة الفلسفة؛ فما يفتحه الشعر على الوجود، تُطبِق عليه الفلسفة يديها في نظامٍ وخطاب مُتماسك عنيف هو الآخر بدوره. ولأنّ الفيلسوف لا يُمكن أن يُفلتَ من قبضة الكلمات المُثقلة بمعانٍ مُسبقة، فإن عنف هذا المسار المُحدِّد للّغة لا سبيل للفكاك منه أيضًا.
يتوصّل ريكور إلى نتيجة مفادها أنّ ممارسة اللاعنف في الخطاب تقتضي أن نُدركَ التعدد والتنوّعَ الكامنيْن في أصل اللغة، أن نذعن لوجودهما، أن نسمح بهما ببساطة، وأن نُنزِلَ كلّ لغة منزلها، دون أن نتوقّف عن نقد العنف الذي تحمله بأوجهها المُتعدّدة، إلى أن نصل إلى المعنى العقلانيّ
أشعرُ بخيبةٍ ممّا يقترحه ريكور في النهاية، لا تُرضيني طبيعة هذه اللغة التي تغتصبنا من كلّ صوب، لا أريد أن أستسلم لانقيادها إلى العنف بشكلٍ أو بآخر
أقررُ أن أعودَ اعتباطًا إلى حسين البرغوثي في <<الضوء الأزرق>> لعلّي أعثر على شبه إجابة تُخدّرني قليلًا. أتذكّر أنّي قرأت شيئًا عن صراعه القديم مع اللغة، حينما كان يتذكّر طفلًا محاولاتِه للهروب من العنف الذي سبّبته له <الكلمات>، فراح يسبر أرضَ اللغة البريئة، أرض كلّ ما لا اسم له، وكلّ ما لم تطأه المعرفة بكلمات مُسبقة
<< ما أريد أن أقوله إن سببًا من أسباب هذه الحرب الدامية كان <الكلمات>…كنتُ مُتعدّدًا، فيَّ أشخاصٌ كثيرون، لكلّ واحدٍ منهم اسمه، إلا أنا، أنا الوحيد الذي كان يشعر ألا اسم له، لا هو عبقريّ، ولا فرخ أهبل، ولا أطرش، ولا فلسطيني، ولا شيء آخر، بل ماهيّة لا اسم لها، وشعورٌ سريّ بيني وبيني. وهذا <الباطن الشفيف>، الكائن الذي لا اسم له، الوجود بين <المُسمّى> و <اللامُسمّى>، هو من كان مفتونًا بسحر اللغة، والكلمات المغلقة. والكلماتُ كالأرض، مقسّمة إلى مناطق نفوذ، وكنت أميّز بحدة بين منطقتين من الكلام بينهما سياج: <كلماتهم> هم، خبراء النهش، و<كلماتي> أنا. هربتُ إلى أرضٍ من كلماتي، أرض غريبة أكتبها، وأشطبها، وأبنيها، وأهدمها، وأحادثها، وأفعل بها ما شئت، بدلًا عن عالمٍ يفعل بي ما يشاء، و<كلماتي> تشبه العجين: طريّة، في غاية الليونة، تتشكّل بلمسة من إصبع طفل، أو تشبه ترابًا كنتُ ألعب به، يشبه مسحوقًا ناعمًا من شلّال فستقيّ ينزل من داخل قنّينة، أو تشبه قنّينة كنت أتخيّل في داخلها قصورًا بقاعاتٍ وطرقٍ شفّافة، أمّا الناس فحجارة، لا! لا! الحجارة صديقتي. الناس، لا أدري! كيانات غريبة لا يمكن أن نتأكد ممّا هي بالضبط، لا لفظة تعني الذي تعنيه عندهم، وفيهم أبعاد غير مرئيّة، يشبهون بئرًا بريّة في الجبال كنت أحبّها…ومثل البئر بالضبط، الكلمات الملفوظة فيهم، في الناس، تعودُ إليّ بصدىً مُضخّم، ولكنّها تبدو غريبةً عنّي، تلبّستها أرواحٌ أخرى..اغتصبوني حتى وصلوا قلبي… وكنتُ حزينًا إلى حدٍ لا يُصدّق. <من منّا لم يُغتصَب يا حسين! أفواه الناس آبار يا رجل، آبار>…>>.4
أن نكون في زمن الحرب؛ لا يعني أن نرضخَ إلى تعدّديّة اللغة، ونبحثَ عن منافذ لممارسة اللاعنف في الخطاب كما يجادل ريكور، بل أن نهتدي، كما يُرشدنا حسين البرغوثي، إلى معرفةِ مناطق نفوذ الكلمات، فنهربَ إلى أرضٍ من كلماتنا الخاصّة بنا، نسمّي بها كينوناتنا، لا نُشاركها مع أحد، ولا نُجبرها على الخضوع لأيّ معنى مُعقلنٍ يفهمه أحد: نعني ونفعلُ بها ما نشاء، بديلًا عن عالمٍ كان ولا زال يعني ويفعل بنا ما يشاء
الهوامش
1-Lorde, Audre. “Poetry is not a Luxury”. Sister Outsider: Essays and Speeches, Crossing Press, 2007
Ricoeur, Paul. “Violence and Language”. Political and Social essays by Paul Ricoeur, translated by- 2 Joseph Bien. Ohio University Press, 1974
3- الترجمة بتصرّف
Adnan, Etel. “To Be in A Time of War.” In the Heart of the Heart of Another Country, San Francisco: City Light Books, 2005, pp. 100-116
4- البرغوثي، حسين. الضوء الأزرق: سيرة ذاتيّة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ٢٠٠٤.
