روزا – ترجمة قصّة قصيرة للكاتبة الأميركية ماري بوردن

عمّان، ربيع ٢٠٢٢


ترنّح الرجال تحت رزح الجسد المتكوّم فوق الحمّالة، ثمّ وضعوه على الأرض أمام غرفة العمليات ليمسحوا العرق المتفصّد عن جباههم. كان نهارًا صيفيًّا قائظًا، وقسم الطوارئ هادئ بعد تلاشي آثار القصف التي هزّت جدران المستشفى قبل يومين. لا يشقّ الصمت الآن سوى صفّارات سيارت الإسعاف من حين لآخر، حاملة رجالًا منسيين تُركوا في الأراضي المحايدة، أو رجالًا أصابتهم رصاصات طائشة بعد انتهاء القصف.

بزغ هذا الرجل من خلف الأفق؛ عملاق ضخم أحمر اللون تحت أشعة شمس الظهيرة الحارقة. قُذف إلينا كمجموعة من الأحطاب الغليظة أمام الباب؛ جسدًا منعزلًا خلّفته المعركة، أو لغزًا محيّرًا لا أحد يعبأ بحلّه. هكذا، تمدّد أمامنا على الأرض مثل ثور جريح، وتصاعدت أنفاسه الثقيلة المزعجة بلا هوادة.

كان رأسه ملفوفًا بضمادة قذرة، وكانت عيناه مغلقتين، وفمه المُكدَّم مفتوحًا قليلًا. بزغت شعيرات كثيفة من تحت ضمّادة رأسه، أمّا وجهه فكان مُحمرًّا مُكتسيًا بطبقة من الغبار القذر، وكأنه تدحرج طويلًا في حقل مليء بروث الحيوانات.

هذا رجل من أديم الأرض وترابها، يضجّ بقوّتها وطاقتها، فيما يضيء شعاع الشمس المشرق على جسده عتمة وعيه الغائب. 

تدهور الرجل بعيدًا حتى أعماق الهاوية، وظلّت روحه نائمة كالثيران في الأراضي المحرّمة البعيدة، تلك التي لا يرجع منها الرجال أحياءً. إلا أن هذا الجسد الغائب عن الوعي كان حاضرًا بهمهاته الثقيلة وإيقاعها الذي يدقّ كالطبل، بل يهدر كمحرّك الشاحنات، أو كآلة ضخمة تحتاج إلى طاقة هائلة حتى تشتغل، ومن بين شفتيه المجروحتين، كانت أنفاسه تحشرجُ مثل بخارالآلة.

وضعه الرجال على الحمّالة وأدخلوه إلى القسم، ثمّ أدخلوه بصعوبة إلى تلك الغرفة البيضاء، حيث المغاسل اللامعة والأدوات الفضيّة البرّاقة. التفّ الجرّاحون والممرضات بالملابس البيضاء حوله، وكان رأسه ممدًا على الطاولة من الأمام، وقدماه مُمدّدتيْن حتى آخر الطاولة، أما ذراعاه المليئتان بالنمش فامتدتا على جانبي الطاولة عاجزتين بلا حراك.

عرّينا جسده من الملابس. كان شعر صدره مجعّدًا أحمر اللون، وبدا بكامل جثّته جبلًا عظيمًا شامخًا فوق الطاولة. أما وجهه فكأنه صخرة بحرية حفرت بها المياه بعمق، وتحت شجيرات الصخرة برزت عيناه كمغارتين خبيئتين، أمّا فمه بدا مثل كوّة مظلمة تودي إلى كهف عميق، في قلبه مطرقة تدقّ بعنف.

كان عجزه أكثر ما يشعرك باليأس، إذا ما أخذنا ضخامة بنيته في عين الاعتبار. ولكن صوت الحياة ما زال يتدفّق في جسده، ويضخّ الهواء إلى رئتيه، ليحافظ على نبضات قلبه. لا شكّ أن جسدًا كهذا يصعب قتله! حتى رصاصة في الرأس لن تقتله.

تفقّدت نبضه، كان قويًا ومنتظمًا.


قرأ المسيو X ما كتب على البطاقة المثبّتة على بطانية الرجل، عندما كان في قسم التجهيز الخاص بغرفة العمليات: <<رصاصة مسدس دخلت عبر الفم واستقرت في الدماغ>>. تساءلت: لكن كيف؟ غريب! أَأُطلقت الرصاصة في فمه؟ أكان نائمًا في الخندق وفمه مفتوح ربما؟

تخيّلته راقدًا هناك في الخندق، يكسوه الطين، فاتحًا فمه بغباء كحيوان أنهكه التّعب، ثم يجيء شخص ما ويضع المسدّس بين أسنانه الصفراء. أيها الغبيّ! يا لك من وحش ضخم وأحمق حتى تنام بهذه الطريقة اللامبالية في خضمّ أصوات القصف والمعارك الطاحنة!


لكن أشياءً كهذه يستحيل أن تحدث في الحرب! يُقتل الرجال بعشوائية وحشية، تُمزّقهم الصواريخ إلى أشلاء، يتطايرون في الهواء بعد أن تصيبهم قذائف المدافع ورصاصات البنادق، أما أن يُطلق النار في حلق أحدهم بهذه الطريقة الدقيقة؟ لهو أمر من سابع المستحيلات.

كان الأطباء يتهامسون فوق جسده. عبس المسيو X وهو يقرص شفتي الرجل، ثم مسح جسده الضخم المُسطّح فوق طاولة العمليات.

<< لكن كيف؟ ومَن؟>> سألتُ.

<< لقد أطلق النار في حلقه .. انتحار>>.

<<انتحار!>> ردّدت الكلمة مرة أخرى وكأنها لغز. كانت رائحة الغرابة تنبعث من جسده وتفوح بين الأطبّاء، مما جعلهم يشعرون بالقلق والارتباك أو الخزي ربما؟

<<لكن لماذا الانتحار؟>> سألت، وسرعان ما أدركت كنه تلك الرغبة الملحّة المفاجئة لتدمير الذات، تطلُّ برأسها من عمق التراجيديا الإنسانية، وتسمو فوق هذا الدمار. كانت حقيقة كهذه صادمة بالنسبة لهم.

ليس شابًا على ما يبدو. قلتها وأنا أزيح الضمادة عن رأسه الذي يكسوه الشعر الأحمر: << قرويّ على الأرجح. لكم هو غبي جدًا! رجل ثور!>>.

<<لماذا الانتحار؟>> سألت بصوت عالٍ.

<<الذعر>> أجاب المسيو باختصار << الخوف.. لقد حاول أن يقتل نفسه خوفًا من أن يُقتل.. البعض يقدمون على فعل كهذا أحيانًا>>.

<< لكنه لم يفعل ذلك >>.

<< لا. يبدو أن الأحمق فشل في تحقيق مسعاه. كان من اللازم أن يموت، لكن الرصاصة استقرت هنا تحت جمجمته، بعد أن عبرت بسهولة نحو دماغه. لو أنّ رجلًا آخر مكانه لمات بكل تأكيد، أما هذا الرجل فقوي جدًا على ما يبدو>>.

<< هل ستخرجها؟>>

<< بكل تأكيد>>.

<<وهل ينجو إذا أخرجتها؟>>

<<ربما..>>

<< وماذا بعد؟>>

<<يُحكم عليه بالإعدام عقابًا له على محاولة الانتحار، يا مدام!>>

ثبّت الجرّاحون ذراعيه الحديديتين وقدميه فوق طاولة العمليات الضيقة. رفع أحدهم رأسه الثقيل بينما تولّى آخر تثبيت جسده بأحزمة جلدية في الوضعية المناسبة للعملية.

<< لا تفعل شيئًا! دعه وشأنه!>> صرخت فجأة، بعد أن أرعبني عجزه اللامتناهي ممدّدًا فوق الطاولة.

لكنهم تابعوا تجهيزه للعملية كما يجب، دون أن يصغوا إلى ما قلته. ربما لم أصرخ بصوت عالٍ كما يجب.

<< لا بد أن هناك خطأ ما! أنتم لا تفهمون ما يحدث هنا. ليس الخوف ما دفعه للانتحار، بل شيء آخر. لا بد أن سببًا سريًّا دفعه لينتحر. إن سرّه في صدره الآن، فدعوه وشأنه! ليس من المنطقي أن تنقذوا حياته الآن ليطلقوا النار عليه مرة أخرى!>>

لكنهم تجاهلوني تمامًا وشرعوا عملية التخدير واضعين القناع على وجهه. وهنا راح الرجل يتأوّه مثل ثور يحتضر. انبعثت الحياة تحت وطأة غاز التخدير الخانق، ثم بدأت تحشرج وتدفع طريقها إلى خارج جسده، منقضّة على أعدائه.

انقطع أحد الأحزمة الجلدية الذي يثبّت ذراعيه، وضربت قبضته بعنف على الطاولة، فتطايرات الزجاجات والأوعية قربها. تراشق الزجاج على الأرض، ووسط أصوات الزجاج المتهشّم، سمعت صوتًا باكيًا خائفًا مكتومًا كأنه قادم من مكان سحيق: <<روزا! روزا!>>

كان الصوت قادمًا من صدره؛ مثل صوت رجل ضائع في عتمة الكهف. انبعث الصوت من تحت شعيرات صدره الكثيفة الملتفّة؛ صوت غليظ مجوّف من أعماق غيبوبته، يجهش بالبكاء طويلًا: <<روزا! روزا!>>

وقبل أن يثبّتوا قناع التخدير فوق وجهه مرّة أخرى، نادى عليها مرتين.

كانت العملية ناجحة، دون أية تعقيدات تذكر. أخرجوا الرصاصة من رأسه، أخاطوه ونقلوه لينام في غرفة أخرى، حيث كانت شمس العصر الذهبية تتسلّل بخجل.

<<لا شك أنه سيموت الليلة>> قلت لنفسي. رحت أتفقّده بين الفينة والأخرى، على أمل أن يكون قد فارق الحياة. إلا أنني كنت أسمع أنفاسه الثقيلة في كل مرة أقف بها قرب جسده الضخم. سمعته يتنهّد، مردّدًا على شفتيه اسم المرأة ذاتها مرة أخرى: روزا.

<< لن ينجو >>، قالت الممرضة التي كانت تتولّى الجولة الليلية.

<< لا يمكن أن يموت، فالحياة قوية جدًا في داخله، ومن الصعب أن يُقتل!>> همست لنفسي.

تحسّن في اليوم التالي. دخلت إلى الغرفة، فوجدته جالسًا على سريره، يرتدي فانيلا وردية اللون ويحدّق إلى الأمام بصمت. لم يجبني حين قلت له: <<صباح الخير!>> ولم يلحظ وجودي على الإطلاق. أخبرتني الممرضة أنه لم يتكلم مع أحد، لكنها امتدحت سلوكه الحسن؛ كان مطيعًا جدًا، وأكمل طبق الشوربة كما تقول.

أما المسيو X فوصفه قائلًا:<<حالة نادرة! كان في عداد الموتى، ولكن انظروا إليه؛ ها هو حي يرزق، ويتناول الشوربة بشهية مفتوحة، وكأن شيئًا لم يكن!>>

سرت خلف الجرّاح حتى وصلنا الباب، وسألته: << يعرف ما الذي سيحدث له الآن إذًا؟>>


<< بالتأكيد! كل جنديّ في الجيش يعرف العقوبة>>.

لم يحرّك الانتحاري رأسه نحوي عندما عدت ووقفت قرب سريره، بل ظلّ يحدّق نحو الأمام وكأنه لا يراني.

وجدتني أتساءل في نفسي: << من أنت؟ ومن تكون روزا؟ وما الذي أستطيع فعله؟ كيف أستطيع أن أساعدك؟>> وقفت بائسة أمامه، وعندها رفع عينيه الغائرتين ورمقني بنظرة توحي بأنه يفهمني تمامًا، ثم أزاح عينيه بثقل ملحوظ إلى الجانب الآخر.

وفيما كانت الوصيفات يغالبن نعاسهن في تلك الليلة، وكانت الممرضات ينتقلن من قسم إلى آخر، مزّق الرجل ضمادة رأسه على حين غرّة. وجدته الممرضة ورأسه ينزف على المخدة ووبّخته بشدّة. لم يجبها، ولم ينبس ببنت شفة، وكأنه لا يلاحظ ما حدث على الإطلاق، ومثل الكلب المطيع تركها تعاود تضميد رأسه.

وفي الصباح التالي، كان يحدّق إلى الأمام بالطريقة نفسها، أما الضمّادة الجديدة فبدت بيضاء ونظيفة بشكل يتناقض تمامًا مع قذارة المعاناة التي يعيشها من الداخل.

ظلّ الرجل يمزّق ضمّادة رأسه ثلاث ليالٍ متتالية، ثم يترك الممرضة تضمّده مجدّدًا.

غضب المسيو X مما رأى وعلّق قائلًا: << إذا التهب الجرح في رأسه فسيموت حتمًا!>>.

<< أعتقد أن هذا ما يحاول فعله؛ أن يقتل نفسه مرة أخرى قبل أن يقتلوه! يحاول أن يكفيهم شرّ قتله لا غير>>.

لم أجرؤ على الكلام مع الرجل، ولم أتوقف عن التفكير به ليلًا نهارًا. أسميته روزا لأنه لم يبح باسمه لأحد. أما عيناه فكانتا تكبّلان فمي عن الكلام كلما دخلت إلى الغرفة؛ فقد كانت النظرة التي يرمقني بها تلخّص الوحشية التي نالت من الإنسان في داخله. أوجعني قلبي على هذا الرجل الذي لا يُسمح له أن يموت، ولذلك ذهبت إلى الجنرال أنتفضُ بهستيرية، ورجوته أن يترك للرجل حرية التصرّف بحياته.

<< ولكن يا مدام>>، أجابني الجنرال: << الانتحار متفشٍّ في صفوف الجنود، والذعر يلتهمهم واحدًا واحدًا. يفجّرون أدمغتهم من الخوف، ولولا المحاكمة والعقوبة، لازدادت حالات الانتحار، وغرقت الخنادق بجثث المنتحرين. إن العقوبات نفسها تُطبّق على الجنود الذين يصيبون أنفسهم بجروح عن قصد؛ بعض الجبناء يصوّبون بنادقهم نحو أقدامهم، ويطلقون النار>>.

تجادلنا، حاولت إقناعه أن الرجل لم يكن خائفًا من أن يُقتل ولكنه خائف من العكس تمامًا، وأنّ البنادق والأعداء أخطأوه مرة تلو الأخرى، وبقي قيد الانتظار وقتًا طويلًا. لقد أطلق النار على نفسه لأن الألمان لم يفعلوا ذلك. ثمة امرأة تُدعى روزا خذلته كذلك، أو ربما ماتت؟ لربما أراد الذهاب إليها. دعه يذهب إليها!
لا بد أن رسالة وصلته منها وهو في الخندق. هذا الرجل ليس شابًا، إنه في الأربعينات أو أكثر. وحشٌ، شعره أحمر، بذراعين حديديتين كالمطرقة. لربما كان مزارعًا أو واحدًا من أولئك الرجال الكادحين المخلصين. لا شكّ أن قلبه مكسور، فصوته كصوت طفل حزين، آه لو أنك سمعته عندما كان يناديها: روزا! روزا!
ثم تخرج علينا بقوانينك العسكرية، وتطلب منا أن ننقذه حتى يقتلوه مرة أخرى! هل تتوقع منّا أن نضمّد رأسه كل ليلة؟ ونحميه من الموت حتى يُساق إلى المحاكمة ويُذبح كالخروف المغلوب على أمره؟>>.

لكن ما الفائدة من مجادلته في القوانين والأحكام العسكرية؟ الحرب قائمة، والجنرال نفسه لا يستطيع أن يفعل شيئًا. لا بد لهذا الرجل أن يكون عبرةً للجنود الآخرين، حتى يتوقّفوا عن الإقدام على الانتحار.

لم أجرؤ على العودة إلى روزا، توجّهت نحو باب القسم واستدعيت الممرضة. كنت أرى الضمادة حول رأسه الضخم ومنكبيه العريضين من مكاني، وبدا لي كأنه وحش صغير بضمادته البيضاء وفانيلته الوردية، لكن عينيه اللتين تحدّقان إلى الأمام لم تغيبا لحظة عن بالي، وتذكرت أيضًا أن وجهه كان يزداد شحوبًا يومًا بعد يوم، وقد صارت وجنتاه بلون الشمع الذائب.

إنه ممعن في قتل نفسه رغمًا عن أنوفنا، وسينجح. يا له من عمل شاقّ أن يقتل المرء نفسه ببطء، يحتاج الكثير من الصبر! لكنه سيتمكن من ذلك، سيستغلّ كل الفرص المتاحة لديه. أضحك الآن من غبائي! ما كان عليّ أن أذهب إلى الجنرال وأرجوه، فهذا آخر شيء يريده مني الرجل أن أفعله.

تحدثت مع الممرضة التي كانت مسؤولة عن الرعاية الطبيّة في تلك الليلة، وأخبرتها باعتباط وصراحة: << عندما يمزّق روزا ضماده هذه الليلة اتركيه!>>

حدّقت في وجهي متردّدة لبرهة. كانت هذه الممرضة قد تدرّبت جيدًا، ومن الواضح أن ضميرها المهنيّ جعلها تتردّد للحظة قبل أن تلمع عيناها قائلة: <<حسنًا>>.

في الصباح التالي، خُيّل إليّ حين وقفت عند طرف سرير روزا أن في نظرته شيء من العرفان بالجميل و الامتنان، لكنني لم أكن متأكدة. كانت نظرته كئيبة وعميقة فصعُب عليّ أن أقرأها، لكن مما لا شك فيه أن وجه أكثر إنهاكًا وشحوبًا من قبل. امتقع وجهه، فخلّف عينيه مظلمتين كالمغارة.

أخذ يهذي عند المساء، لكنه تمّكن من تمزيق الضمادة عند منتصف الليل. كان هذا آخر فعل يقدم عليه، آخر محاولة جهيدة ويائسة يخطو بها نحو الموت. لقد تفوّق إصراره على كل وهم، ولا بد أن ينتصر.

كان غائبًا عن الوعي في الصباح التالي.

توفّي بعد يومين، وهو ينادي من أعماق قلبه السحيق، دون أن نتمكن من سماعه: روزا.